موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٩ - ٢ عنوان الحسبة
الأقسام الأخرى من أمور المجتمع، القيام بالدور الرقابي على النظام الاقتصادي في البلاد في مجالات الإنتاج والتوزيع والتجارة والاستهلاك، فتارة من خلال زيارة الوالي أو أعوانه للسوق بشكل مباشر، وتارة أخرى من خلال تسعير البضاعة والمحصولات، وأحياناً بإصدار القوانين والمقررات ومواجهة عناصر الفساد والمخلين بالنظام الاقتصادي.
إنّ ورود الحاكم الإسلامي إلى السوق واطلاعه عن كثب على المعاملات التجاريّة من شأنه تقوية النظام الاقتصادي من جهتين:
١. مسؤوليّة الحكومة أمام الناس
يقول رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته، فالأمير راع على رعيّته وهو مسؤول عنهم» [١].
إنّ قسماً مهماً من مسؤوليّة الحكومة أمام الناس، يرتبط بالرقابة على السوق والنظام الاقتصادي ووضع سياسات صحيحة للتنمية الاقتصاديّة وبسط العدالة الاجتماعيّة ومنع حالات الإجحاف والظلم على الناس.
وبالنسبة لمسؤوليّة الحكومة في الأمور الاقتصاديّة والمعاملات التجاريّة يقول الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام في عهده المعروف لمالك الأشتر، ضمن توصيته بالإحسان والمحبّة للتجّار وأهل الصناعات وتقدير سعيهم والاهتمام بأمورهم يقول:
«واعلم- مع ذلك- أنّ في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشُحّاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكّماً في البياعات، وذلك باب مضرّة للعامّة، وعيب على الولاة» [٢].
وفي هذه التوصية للإمام علي عليه السلام بمراقبة التجّار وأهل الصناعات، توجد نقطتان مهمتان:
الأُولى: أنّ عمليّة التسعير غير المنصفة من شأنها أن تقترن مع فتح ألسن الناس بنقد الولاة وأعمالهم، وطبعاً مع الأخذ بنظر الاعتبار مسؤوليّة الحكومة في مجال عدم الإضرار بالناس، ينبغي عليها مراقبة السوق والأسعار فيه.
الثانية: أنّ الإحتكار وارتفاع الأسعار من قِبل التجار والكسبة يعتبر عيباً على المسؤولين في الحكومة الإسلاميّة، لأنّ لسان الناس الناقد لهم والأضرار الاقتصاديّة المترتبة على هذه الحالات السلبيّة من قِبل النفعيين والانتهازيين، تعتبر علامة ضعف الأجهزة الحكوميّة، ومن هذه الجهة تعتبر عيباً للحكومة.
٢. عنوان الحسبة
ومضافاً إلى المسؤوليّة العامّة للحكومة في مقابل الناس فيما يرتبط بالرقابة والإشراف على النظام الاقتصادي في المجتمع، فقد وردت في الروايات الإسلاميّة توصيات خاصّة بالنسبة للرقابة على المجتمع ومن ذلك الرقابة على السوق، والذي عبّر عنه
[١]. مسند أحمد، ج ٢، ص ١١١؛ صحيح البخاري (ج ١، ص ٢١٥)؛ عوالي اللئالي (ج ١، ص ١٢٩) بدلًا «فالأمير» كلمة «الإمام».
[٢]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.