موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٩ - ٢ منع الإضرار
الكسبة والتجّار استمر كذلك في عصر الخلفاء.
وطبقاً لما ذكره المؤرخون فإنّ الخليفة الثاني كان يتدخل شخصياً في السوق ويتولّى أمور الحسبة ويقوم بالإشراف على المعاملات التجاريّة ويراقب الموازين:
«كان عمر بن الخطاب يقوم بوظيفة الحسبة بنفسه فكان يشارف السوق ويراقب الموازين» [١].
وكان هذا الخليفة قد أمر امرأتين وهما «الشفاء» و «سمراء» بنت «نُهيك الأسدي» بمراقبة سوق المدينة [٢]، وكذلك أمر «عبداللَّه بن عتبة» ليتولّى الإشراف على الكسب والعمل في السوق [٣].
ب. وضع المقرّرات
ومن الاختيارات الأخرى للحكومة الإسلاميّة وضع المقررات في المسائل الإجرائيّة، فالحكومة الإسلاميّة لها الحقّ في وضع مقررات خاصّة بما يتناسب مع مصالح الفرد والمجتمع، كما ورد في صدر الإسلام أنّ النّبي صلى الله عليه و آله والخلفاء بوصفهم حكّام المجتمع الإسلامي، كانوا يضعون مقررات تتصل بالنشاطات الاقتصاديّة، وهنا نشير إلى جملة منها:
١. الإلزام برعاية قوانين الكسب والعمل
إنّ رعاية قوانين التجارة، يعني أنّه إذا لم يراعِ لشخص شروط العمل في السوق أو لا يلتزم بها، فإنّه سيمنع من العمل في السوق، ونقرأ في الرواية أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله منع «حكيم بن حزام» من التجارة: ( [
إنّ
] رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لم يأذن لحكيم بن حزام في تجارة حتّى ضمن له إقالة النادم وإنظار المعسر وأخذ الحقّ وافياً أو غير وافٍ) [٤].
وكذلك ورد أنّ الخليفة الثاني أمر بهدم حانوت بني في موقع من السوق (على خلاف المقررات) [٥]، بل إنّ الخليفة الثاني أحياناً يقوم بمعاقبة التجّار والكسبة لإلزامهم على رعاية قوانين السوق:
(رأيت عمر بن الخطاب يضرب التجار بدرّته إذا اجتمعوا على الطعام بالسوق ...» [٦].
٢. منع الإضرار
أحياناً يؤدّي بقاء بضاعة خاصّة لدى البائع وعدم بيعها إلى إلحاق ضرر بفرد أو عدّة أفراد، ومع ذلك يمتنع البائع من بيعها، ففي مثل هذا المورد للحكومة الحقّ في إجبار هذا الشخص ببيع البضاعة أو إجارتها، ودليل الفقهاء على هذا الأمر ما ورد في قصّة سمرة بن جندب، الذي ورد في الرواية: إنّ سمّرة بن جندب كان له عذق في حائط رجل من الأنصار وكان منزل الأنصاري ببان البستان وكان يمرّ إلى نخلته ولا يستأذن كلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبي سمرة، فلمّا تأبى جاء الأنصاري إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله
[١]. معالم القربة، ص ١٣.
[٢]. الحسبة، ص ٢٩، نقلًا عن القضاء في الإسلام، ص ١٨١- ١٨٢.
[٣]. كنز العمال، ج ٥، ص ٨١٥، ح ١٤٤٦٧. وللمزيد من الطلاع انظر: مقالة «الرقابة على النظام الاقتصادي» في هذا الكتاب.
[٤]. التهذيب، ج ٧، ص ٥.
[٥]. انظر: كنز العمال، ج ٥، ص ٨١٥، ح ١٤٤٦٦.
[٦]. المصدر السابق، ح ١٤٤٦٨،