موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٥ - ٢ إقامة العدل
من البايع والمبتاع، فمن قارَفَ حُكرةً بعدُ نهيك إيّاه فنكِّلْ به وعاقِبهُ في غير إسراف» [١].
يقول «النووي» وهو من علماء أهل السنّة، إنّ العلماء متفقون على أنّهم إذا كان لدى شخص طعاماً يحتاج إليه الناس ولا يوجد في مكان آخر، فإنّ هذا الشخص يجبر على بيع ذلك الطعام (بواسطة الحاكم) [٢].
وسيأتي أكثر تفصيل عن هذا الموضوع في الصفحات اللاحقة.
٢. إقامة العدل
(إشاعة العدالة)
لا شك أنّ كلّ الموجودات في عالم الطبيعة خلقت لأجل الإنسان:
«هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» [٣]
، ولكنّ التوزيع العادل للأموال والثروات وضبطها والإشراف على تجسيدها وتوزيعها بشكل عادل يتحقق في نظر الإسلام في ظلّ اتباع الشرائع الإلهيّة، لأنّه بالرغم من أنّ الإنسان يستطيع بالعلم والتجربة إيجاد النظم الاجتماعيّة في حياته، ولكنّ تأمين العدالة تعتبر مقولة أخرى لا يستطيع البشر، وبسبب تأثره بالدوافع النفعيّة والذاتيّة، من خلقها وإيجادها في فضاء المجتمع لوحدهم، ومن هذه الجهة احتاجت البشريّة للأنبياء الإلهيين والكتب السماوية لبناء صرح النظام العادل في الواقع الحياة الاجتماعيّة:
«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» [٤].
ومن جهة أخرى فإنّ أحد الوظائف المهمّة والخطيرة للحكومة الإسلاميّة، إعمار وإصلاح المجتمع، يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر فيما يتصل بوظيفة الحاكم الإسلامي:
«واستصلاح أهلها وعمارة بلادها» [٥].
إنّ إعمار الحياة الاجتماعيّة التي تستوعب في دائرتها جميع شرائح وفئات المجتمع، لا يتيسر بدون إجراء العدالة الاجتماعيّة، لأنّه ما لم يتمّ إجراء العدالة، فمثل هذا البناء لا يتحقق، يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«لا يكون العمران حيث يجور السلطان» [٦].
وكذلك يقول عليه السلام:
«ما حُصّن الدول بمثل العدل» [٧]
، إنّ إجراء العدالة ضامن لبقاء الحاكميّة، فالعدالة تضمن نجاة الامّة أكثر من أي جيش وحرس.
ويقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام في كلام آخر:
«اجعل الدين كهفك والعدل سيفك تَنْجُ من كلّ سوء وتظهر على كلّ عدوّ» [٨].
ومعلوم أنّ العدالة الاجتماعيّة في الكثير من الموارد تحتاج لتجاوز المنافع الشخصيّة إلى حالات الإيثار والتضحيّة، وهذا الأمر لا يتيسّر بدون دوافع دينيّة وإيمان راسخ بعالم الغيب.
والآن يثار هذا السؤال الرئيسي، وهو كيف يمكن تحقيق القاعدة للعدالة وظروف إقامتها في واقع
[١]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٢]. شرح مسلم، النووي، ج ١١، ص ٤٣.
[٣]. سورة البقرة، الآية ٢٩.
[٤]. سورة الحديد، الآية ٢٥.
[٥]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٦]. غرر الحكم، ح ٨٠٥٠.
[٧]. عيون الحكم والمواعظ، ص ٤٧٦.
[٨]. غرر الحكم، ح ١٤٢٢.