موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٩ - البحث الأوّل ضرورة تدخل الحكومة بشكل محدود في الاقتصاد
دور الحكومة في اقتصاد المجتمع
البحث الأوّل: ضرورة تدخل الحكومة بشكل محدود في الاقتصاد
إنّ تأكيد وإصرار الاقتصاد الكلاسيكي على الحريات الفرديّة في الاقتصاد وعدم تدخل الحكومة في النشاطات الاقتصاديّة والذي يبتني على أصل محورية النفع الفردي، تسبب في خسائر وأضرار جسيمة لا تقبل التعويض، ومن ذلك: اتساع الفاصلة الطبقية، التمييز والاختلاف وإهدار المنابع الاجتماعيّة العامّة وما إلى ذلك من تداعيات السلبيّة لهذه النظريّة الاقتصاديّة.
إنّ المشاكل الناشئة من هذه النظريّة الاقتصاديّة، إمتدت إلى دائرة الفكر والتنظير وساهمت في إيجاد وتشكّل النظريّة الاشتراكيّة في الاقتصاد، وهي النظريّة التي تقف في مقابل نظريّة الاقتصاد الحر، وتقرر أنّ جميع النشاطات الاقتصاديّة منحصرة في أمور الدولة وأنّ الحكومة هي التي تتولّى جميع النشاطات الاقتصاديّة، ولكن هذه النظريّة منذ بدايتها لم توفّر الاستجابة المناسبة للحاجات الطبيعيّة والفطريّة للإنسان والمجتمع البشري، وبالتالي حدث ما كان متوقعاً لهذه النظريّة وشاهد العالم إنحلال وإنهيار هذه النظريّة الاقتصاديّة في ظاهرة فشل وإخفاق المعسكر الإشتراكي.
وبالرغم من أنّ البشريّة دفعت ثمناً باهظاً للحصول على النتائج من هاتين التجربتين القاسيتين ولكنّ هذين الإخفاقين، دعيا علماء الاقتصاد في العالم لوضع نظريّة مركبة في مجال الاقتصاد، وما نشاهده اليوم في البلدان العالم يعتبر نموذجاً من الاقتصاد المختلط، والذي يقوم على أساس أصل تدخل الحكومة في الاقتصاد إلى جانب الاقتصاد الحر «الفردي والجماعي» لأنّ الجميع أدركوا بشكل جلي أنّ ترك الاقتصاد بيد السوق، لا يوفّر العدالة المقبولة للمجتمع البشري، ولا تتحقق الأهداف المنشودة من قبيل الرفاه العام، والعدالة الاجتماعيّة في مسألة توزيع الثروة، كما أنّ الاقتصاد الحكومي بدوره لا يستطيع لوحده إشباع جميع الحاجات الفطريّة للبشر، ومن هذا المنطلق لابدّ من إيجاد نظريّة تلفيقية بين