موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢١ - ٦ العلم وتعليم القوى العاملة
«إنّ تربية القوى العاملة اليدويّة والفكريّة والتي تعد رأسمال بشري للمشاريع العمرانية يعد من الأركان المهمّة للتنمية الفنيّة» [١].
«وأحد عوامل الرشد والنمو للقدرات الفنيّة في بلدان مثل بريطانيا، اليابان، فرانس، السويد، النرويج والبلدان الصناعيّة أخرى هي أنّهم يهتمون بالتعليم الفني والمهني، ففي بريطانيا فإنّ ٥٠ في المئة من الطلّاب يشتغلون في الفروع التحقيقيّة والفنيّة، و ٥٠ في المئة يشتغلون بالفروع العلميّة والمهنية التي يصطلح عليها بفروع (العمل بالأدوات)» [٢].
والقوى المهنية المتعلمة لا يختص عملها بالتنمية الفنيّة، فثمّة تنمية أيضاً في الفروع الأخرى التي من الضرروي وجود أفراد خبيرين ومستعدين.
وكما أنّ وجود العمّال الفنيين المهنيين يمنع من هدر الطاقات ورؤوس الأموال ويزيد من جودة العمل، فإنّ القوى الجديرة والماهرة في حقول الزراعة، والصناعة، الصحة والخدمات أيضاً لازمة وضرورية لتحقيق أهداف التنمية والاستفادة الأفضل من عمليّة الاستثمار.
ويرى الإمام الصادق عليه السلام أنّ المهارة في المهنة أمر لازم لمن يشتغل في شأن الصناعة:
«كلّ ذي صناعة مضطرّ إلى ثلاث خلال يجتلب بها الكسب، وهو أن يكون حاذقاً بعمله ...» [٣].
وكذلك فإنّ الأفراد الجديرين والماهرين يمكنهم إدارة الأقسام الثقافيّة، والمراكز العلميّة والجامعات بنحو أفضل.
وفي حقل التجارة والعقود التجاريّة العالميّة، فإنّ بلدان العالم الثالث وبسبب عدم اطلاعهم أو قلّة اطلاعهم على الجوانب المختلفة للعقود فإنّها تضررت كثيراً، وأمّا البلدان الصناعيّة المتقدمة في العالم وبسبب معرفتها بفنون العقود التجاريّة، الحقوق العالميّة، والتجارة العالميّة، فإنّها تعمل على تنظيم على تلك العقود بما يصب في صالحها، ومن هنا استدعت الضرورة وجود أفراد متخصصين ومهنيين لحفظ مصالح البلدان النامية.
إنّ عمليّة تثقيف القوى وتزريق المعنويات والقيم الأخلاقيّة والإيمان، والتي تعدّ من أهداف التنمية الإسلاميّة أيضاً، إنّما يتيسر تحقيقها وتجسيدها على أرض الواقع الاجتماعي مع وجود قوى لائقة وجديرة، وفي غير هذه الصورة فإنّ المجتمع ربّما يتطور من الجهة الاقتصاديّة فقط، ولكنه يعيش الفراغ من الجهة المعنويّة والأخلاقيّة وبالتالي يبتعد عن «الحياة الطيّبة» التي يدعو إليها القرآن الكريم.
وكيف ما كان فإنّ التغلب على المشاكل والحركة في مسار التنمية إنّما يتيسر بوجود المعرفة والتخصص والمهنية لدى القوى العاملة.
وكما تقدّم في الرواية الشريفة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال لابن مسعود:
«إذا عملت عملًا فاعمل بعلم وعقل، وإيّاك أن تعمل عملًا بغير تدبّر وعلم» [٤].
وهذا الحديث يقرر بوضوح أنّ الدخول في كلّ عمل مهم، ومنه التنمية الاقتصاديّة، يجب أن يقترن بالعلم والمعرفة، ولا يمكن التحرك بهذا الاتّجاه بدون خبرة كافية ومعرفة تجريبية.
وفي نظر الدين فإنّ العلم يمثّل أصل جميع
[١]. انتقال العلوم التكنولوجية إلى العالم الثالث (علوم وتكنولوژى به جهان سوم)، محمّد عبدالسلام (طابقاً لنقل: معرفة مظاهر الفقر والتنمية (پديدهشناسى فقر و توسعه) بالفارسيّة، ج ٤، ص ٢١٤).
[٢]. التكنولوجية محور التنمية (تكنولوژى محور توسعه) بالفارسيّة، ص ٥٥ (طبقاً لنقل: مظاهر الفقر والتنمية (پديدهشناسى فقر و توسعه) بالفارسيّة، ج ٤، ص ٢١٤).
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ٢٣٦، ح ٦٤.
[٤]. مكارم الأخلاق، ص ٤٥٨.