موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٠ - ٦ العلم وتعليم القوى العاملة
تمركز الثروة بيد فئة من المرفهين والانتهازيين.
وكذلك بسبب عدم التقوى فإنّ الأبعاد الأخرى من التنمية الاقتصاديّة، وهي التنمية الإنسانيّة وتغيير البنى وإصلاح المؤسسات ستقع في زاوية الإهمال والغفلة ويتمّ التضحية بالفضائل والقيم الجيدة في المجتمع لحساب النمو الاقتصادي.
إنّ حالة التقوى تعدّ مانعاً أساسياً في مقابل مظاهر الخيانة والاختلاس والماديّة وتؤثر إيحاباً على مسار الرشد والتنمية في فضاء المجتمع.
٥. معرفة وإدارة المسؤولين
إنّ الأشخاص الذين يستطيعون التخطيط لعملية التنمية ورسم معالمها وسياستها لابدّ أن يملكوا المعرفة اللازمة والتخصص والإدارة الجيدة، فالتخصص والإدارة الجيدة لازم للورود إلى هذا النظام والسعي في هذا المجال لرسم المصير لهذه العمليّة.
ولا يمكن وضع مجالات ومشاريع التنمية بيد أشخاص غير كفوئين، والقرآن الكريم يقول:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً» [١].
فنعلم أنّ الإسلام، مضافاً إلى شرط البلوغ الشرعي، طرح أمراً آخر يدعى ب «الرشد والبلوغ الاقتصادي» ممّا يدلّ على ضرورة إحراز هذا الرشد في مجال إعطاء الأموال لليتامى.
يقول القرآن الكريم:
«وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ» [٢].
وعندما يكون إعطاء أموال قليلة لشخص، مشروط بالرشد والبلوغ الاقتصادي، فلا يمكن وضع مشروع الرشد والتنمية الاقتصاديّة في المجتمع بيد أفراد غير كفوئين، ومن هذه الجهة عندما أراد النّبي يوسف عليه السلام أن يستلم منصب اقتصادي مهم في بلد واسع كمصر، فإنّه مضافاً إلى صفة الحفظ والالتزام الأخلاقي، أكد على العلم والتخصص أيضاً، وقال:
«اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ» [٣].
وقد ورد في وصية النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله لابن مسعود أنّه قال:
«إذا عملت عملًا فاعمل بعلم وعقل، وإيّاك أن تعمل بغير تدبّر وعلم، فإنّه- جلّ جلاله- يقول: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً» [٤]» [٥].
إنّ الحركة باتّجاه هذه المشاريع بدون تدبير وتخطيط ومعرفة بجوانبها وأبعادها، حالها حال تلك المرأة الجاهلة التي نقضت جميع ما عملته في أمر الحياكة، والأشخاص غير الكفوءين من شأنهم إهدار جميع ثروات البلد وبالتالي يزيدون من معاناة المجتمع.
٦. العلم وتعليم القوى العاملة
إنّ وجود القوى العاملة الفنيّة واللائقة ضروري لتنفيذ مشارع التنمية، بمعنى أنّه علاوة على وجود المشاريع المناسبة والمسؤولين الكفوئين فإنّ وجود القوى الفنيّة التي تستطيع تفعيل الأقسام المختلفة من الأجهزة والإدارة غير قابل للإنكار.
إنّ القوى المتخصصة والفنيّة التي تستطيع أن تستلم المناصب الإجرائية في مراكز القرار وفي المصانع والمعامل، المزارع، المدارس والجامعات، قسم الخدمات وسائر المراكز الأخرى، يرتبط بعملية تنمية هذه القدرات الكفوءة.
إنّ تربية مثل هذه القوى الفنيّة وتوفير الأرضية اللازمة لغرض تعليمهم وتقوية قدراتهم الفنيّة، يعتبر شرطاً من شروط التنمية المستقرة.
[١]. سورة النساء، الآية ٥.
[٢]. سورة النساء، الآية ٦.
[٣]. سورة يوسف، الآية ٥٥.
[٤]. سورة النحل، الآية ٩٢.
[٥]. مكارم الأخلاق، ص ٤٥٨.