موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٢ - ١ الباعث الإلهي محورية اللَّه
الاقتصاديّة التي يؤكد عليها الإسلام ويدعو أتباعه للوصول إليها وتجسيدها على أرض الواقع الاجتماعي.
البحث الثالث: أصول التنمية في الرؤية الإسلاميّة
المراد من عنوان هذا البحث بيان طرق الوصول إلى معايير التوسعة الاقتصاديّة في الإسلام، بمعنى ما هي رؤية الإسلام للأصول والسياسات التي توصلنا إلى هذه المعايير والمعالم التي سبق ذكرها في المقالة الثانية؟
وعمدة هذه الأصول كالتالي:
١. الباعث الإلهي [محورية اللَّه]
إذا اصطبغ سعي الحكّام المسلمين والمسؤولين في النظام الإسلامي بصبغة إلهيّة وكانت حركتهم متجهة نحو التوحيد ويدور برنامجهم حول محورية اللَّه تعالى، فإنّ طريق الوصول إلى التنمية والرشد سيتيسر لهم.
ويوصي القرآن الكريم جميع المسلمين بدستور عام وشامل بأن يكون قيامهم وسعيهم على المستوى الفردي والاجتماعي للَّهتعالى:
«قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى» [١].
وفي هذا المجال ينبغي للمسؤولين أن يعلموا أنّ اللَّه تعالى ناظر إلى أعمالهم ويجب عليهم تحمل مسؤوليتهم أمام اللَّه تعالى ولا يغفلوا عن نقاط الضعف والقصور في خدمتهم للناس وسعيهم في تدبير شؤونهم على جميع المستويات.
ونقرأ في «دستور لنظام الحكم» في عهد أميرالمؤمنين علي عليه السلام لمالك الأشتر:
«... فإنّك فوقهم ووالى الأمر عليك فوقك، واللَّه فوق من ولّاك».
ثمّ يوصيه بالنسبة لخدمة الناس وقضاء حوائجهم ويقول:
«وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم ولاتنصبنّ نفسك لحرب اللَّه» [٢].
في هذا مقطع من كلامه عليه السلام نجد أنّ الإمام يشبه عدم السعي في خدمة الناس وقضاء حوائجهم بمثابة المحاربة مع اللَّه تعالى.
وعلى ضوء ذلك فإنّ الحاكم الذي يرى بأنّ اللَّه تعالى ناظر إليه ويعتقد بأنّ عدم الاهتمام بحلّ مشاكل الناس بمثابة الحرب ضد اللَّه، فإنّه سيتحرك ويبذل مزيداً من الجهد لخدمة الناس ورفع حاجاتهم وسيكون عمله وسلوكه له لون آخر وستكون بواعثه ودوافعه على إعمار البلد والحركة على مستوى التنمية الاقتصاديّة أكثر فأكثر.
وهكذا عندما نرى وصية الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر بالنسبة للطبقة المحرومة والضعيفة في المجتمع فإنّه يبدأ بكلمة
«اللَّه اللَّه»
ويقول:
«اللَّه اللَّه في الطبقة السّفلى من الّذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين ...» [٣].
وفي نصّ آخر يقول الإمام عليه السلام لأحد عمّاله:
«وبؤساً لمن خصمه عنداللَّه الفقراء والمساكين والسائلون والمدفوعون ...» [٤].
رغم أنّ هذه الكلمات والتعبيرات وردت في تأمين الحدّ الأدنى من معيشة المحتاجين، ولكن هذا الأمر ينطبق على المسائل المتعلقة بالتنمية الاقتصاديّة أيضاً، وتؤكد على لزوم بذل الجهد في المسائل المتعلقة بالنمو والتنمية في الإسلام التي تدور حول محوريّة اللَّه تعالى.
[١]. سورة سبأ، الآية ٤٦.
[٢]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٣]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٤]. المصدر السابق، الكتاب ٢٦.