موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧ - ٦ الإكتفاء الذاتي في عمليّة الإنتاج
وكلّما كان سقف المعرفة والتحقيقات العلميّة في بلد أعلى، فإنّ حركة النمو والتربية في هذا البلد ستندفع بخطوات أسرع في مجال التنمية.
٦. الإكتفاء الذاتي في عمليّة الإنتاج
ومن المعالم الأخرى للرشد والتنمية الاقتصاديّة في المجتمع، الوصول إلى مرتبة الاكتفاء الذاتي في انتاج البضائع والمنتوجات الأساسية والاستراتيجية، وبديهي أنّ الوصول إلى مرتبة الإكتفاء الذاتي والاستقلال في جميع الجوانب تقريباً غير ممكن لجميع البلدان، ولكن من اللازم في مجال إنتاج الغلات والصناعات الغذائيّة (في صورة توفر الظروف الطبيعيّة في البلد) والأسلحة الدفاعية، مراكز التعاليم، الطاقة، الدواء والعلاج، وسائل النقل وأمثال ذلك، أن يصل البلد إلى مرتبة الإكتفاء الذاتي في هذه الموارد أو يقوم بتوفيرها في عمليات تجارية متعادلة ومطمئنة مع البلدان الأخرى، لأنّ التبعية في هذه الأمور تستدعي التبعيّة السياسيّة والثقافيّة، وستتحوّل إلى أدوات ضغط تمارسه الدول الأجنبيّة على سياسات واقتصاد البلد الإسلامي، ومن البديهي أنّ هذه الضغوط تؤثر كثيراً على حركة الرشد والتنمية الاقتصاديّة، لأنّ البلدان القوية تصر عادة على إبقاء حالات التخلف والتبعية للبلدان الضعيفة لتكون هذه البلدان أسواقاً لمنتجات البلدان الصناعيّة.
وفي نظر الإسلام فإنّ الحاجة تعتبر نوعاً من الأسر:
«احْتَجْ إلى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسيرَه» [١]
وقد وردت التوصيات من قبل أولياء الدين في أنّ المسلمين يجب أن يعتمدوا على أنفسهم:
«إدفع المسألة ما وجدت التحمّل يمكنك» [٢]
، وما لم تستدعِ الضرورة لبيان الحاجة والمسألة يجب على الإنسان أن لا يمد يده للآخرين في طلب شيء من الأمور:
«لا تصلح المسألة إلّا في ثلاثة ... في غرم مثقل» [٣].
وقد ورد في التعاليم الدينيّة أنّ الاستغناء على الآخرين والاعتماد على الذات والاستقلال في الأمور الماليّة سبب للعزّة:
«وعزّه استغناءه عن النّاس» [٤]
، ومن هذه الجهة نرى أنّ الإمام الصادق عليه السلام يعمل في نشاطات اقتصاديّة في أجواء الحر والقيض وعندما سئل سبب تحمله لهذه المعاناة في هذا اليوم القائض قال:
«خرجتُ في طلب الرّزق لأستغنى عن مثلك» [٥].
ولعله من هذه الجهة ورد التعبير عن السعي في المجال الاقتصادي ب «العزّة» يقول معلّى بن خنيس:
«رآني الإمام الصادق عليه السلام وقد تأخرت في الذهاب إلى السوق (الدكان والحانوت) فقال:
«اغد إلى عزّك» [٦].
واللافت أنّ الآية الشريفة:
«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ ...»
رغم أنّها ناظرة للاستعداد القتالي وإمتلاك القوّة العسكرية، إلّاأنّ هذه التوصية لا تتحدد بهذه الدائرة قطعاً: «ونحن نعتقد أنّ هذا الشعار الإسلامي الكبير:
«وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة»
إذا أضحى شعاراً شاملًا في كلّ مكان، ينادي به الصغير والكبير، والعالم وغير العالم، والمؤلف والخطيب، والجندي والضابط، والفلاح والتاجر، والتزموا به في حياتهم وطبقوه، كان كافياً لجبران التخلفّ والتأخر» [٧].
[١]. بحار الأنوار، ج ٧١، ص ٤١١، ح ٢١، عن الإمام علي عليه السلام.
[٢]. مستدرك الوسائل، ج ١٣، ص ٢٩، ح ٨، عن الإمام الحسنالعسكري عليه السلام.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ٣٢٦، عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام.
[٤]. الكافي، ج ٢، ص ١٤٨، ح ١، عن الإمام الصادق عليه السلام.
[٥]. الكافي، ج ٥، ص ٧٤، ح ٣.
[٦]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣، ح ٢. وورد شبيه هذا التعبير عن الإمام الكاظم عليه السلام مخاطباً أحد أصحابه يدعى «مصادف» وقال له: «اغد إلى عزّك- أعني السوق-» (المصدر السابق، ص ٤، ح ١٠).
[٧]. التفسير الأمثل، ج ٧، ص ٢٢٣، ذيل تفسير الآية ٦٠ سورة الأنفال.