موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٤ - ٣ الصحة والنظافة
والقرآن الكريم بعد أن عدّد نعم اللَّه تعالى على قريش وبعد أن تحدّث عن هلاك جيش ابرهة وأصحاب الفيل، تطرق إلى ذكر نعمة اللَّه تعالى عليهم بإنقاذهم من الجوع والخوف (عدم الأمن):
«الَّذِى أَطْعَمَهُمْ مِّنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِّنْ خَوْفٍ» [١].
إنّ وجود نعمة الأمن إلى جانب الاطعام والغذاء الكافي، شاهد على أهميّة هذه النعمة والإرتباط الوثيق بينها وبين التغذية الجيدة.
ونرى أنّ إبراهيم الخليل عليه السلام بعد أن بنى البيت رفع يديه بالدعاء لأهل مكّة وقال:
«رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ» [٢].
فالنعمة الاولى هي نعمة الأمن ثمّ الرزق الوفير كما ورد في دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام، وفي الحقيقة أنّ نعمة الأمن تعتبر مقدّمة للحركة الاقتصاديّة والتنمية وزيادة الخيرات.
وفي هذا المجال نقرأ في الآية ١١٢ سورة النحل قوله:
«وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ ...».
ونقرأ في التفسير الأمثل: «ذكرت الآيات ثلاث خصائص لهذه المنطقة العامرة المباركة: الخاصيّة الاولى: الأمن، الخاصيّة الثّانية: الإطمئنان في إدامة الحياة، الخاصيّة الثّالثة: جلب الأرزاق والمواد الغذائيّة الكثيرة إليها، وترتبط هذه الخواص فيما بينها ترابطاً علّياً وحسب تسلسلها، فكلّ خاصيّة ترتبط بما قبلها إرتباط علة ومعلول، فلو فُقِدَ الأمن لما اطمأن الإنسان على إدامة حياته في مكانه المعيّن، وإذا فقد الإثنان فلا رغبة حقيقية لأحد على الإنتاج وتحسين الوضع الاقتصادي هناك» [٣] وفي بيان بليغ يقول الإمام علي عليه السلام:
«شرّ البلاد، بلد لا أمن فيه ولا خِصْب» [٤]
، ومعلوم أنّ الحياة بدون توفر حالة الأمن لا تتيسر فيها مقومات التنمية والتطور في واقع الحياة الفردية والاجتماعيّة.
٣. الصحة والنظافة
ويرى الإسلام للصحة والنظافة أهميّة بالغة في حياة الإنسان والمجتمع إلى درجة أنّه ورد في الحديث المشهور عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«إنّ اللَّه بني الإسلام على النِّظافة» [٥]
، وتبلغ هذه الأهميّة إلى درجة أنّ نبي الإسلام صلى الله عليه و آله قال:
«الإسلام نظيف فتنظّفوا، فإنّه لا يدخل الجنّة إلّانظيف» [٦].
والمجتمع الذي يريده الإسلام ويثني عليه، هو المجتمع الذي يملك السقف المطلوب في أمر النظافة والصحة، فالطعام السالم والماء الصحي ووسائل التنظيف في الحمام وغيرها ينبغي أن تكون المستوى المطلوب ليعيش الناس بعيداً عن القذارة والتلوث.
يقول النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«بئس العبد القاذورة» [٧].
وأحياناً يرى النّبي صلى الله عليه و آله أشخاصاً لا يراعون مسألة النظافة، فيوبّخهم على ذلك كما ورد في الحديث:
«إنّ النّبيّ صلى الله عليه و آله رأى رجلا وسخة ثيابه، فقال صلى الله عليه و آله أما وجد هذا ما ينقى ثيابه؟» [٨].
ويقرر القرآن الكريم أنّ من نعم اللَّه تعالى التي تنزل على الناس هي، نزول الماء الطاهر والمطهر من السماء:
«وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً» [٩].
[١]. سورة قريش، الآية ٤.
[٢]. سورة البقرة، الآية ١٢٦.
[٣]. التفسير الأمثل، ج ٧ ذيل الآية مورد البحث.
[٤]. غرر الحكم، ح ١٠٢٥٥.
[٥]. كنز العمال، ج ٩، ص ٢٧٧، ح ٢٦٠٠٢.
[٦]. مجمع الزوائد، ج ٥، ص ١٣٢.
[٧]. الكافي، ج ٦، ص ٤٣٩، ح ٦.
[٨]. مسند أبي يعلى، ج ٤، ص ٢٣.
[٩]. سورة الفرقان، الآية ٤٨.