موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٣ - البحث الرابع المعطيات والآثار المخربة للفقر في المجتمع الإسلامي
عندما تكون في إطار ثقافة المجتمع وإمكاناته الاقتصاديّة في البلد الإسلامي، فإنّها ستحظى بمفهوم أعلى وأجلى، والروايات الناظرة إلى عصر ظهور الإمام المهدي عليه السلام- والتي مرّ بيانها، ناظرة إلى هذه المسألة.
وقد ورد في توصية الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر أيضاً في خصوص جمع الضرائب والخراج وإعمار المدن::
«جباية خراجها ... وعمارة بلادها» [١].
وجاء أيضاً في هذا العهد المبارك لمالك الأشتر قوله عليه السلام:
«وَلْيَكُنْ نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنّ ذلك لايُدرك إلّا بالعمارة» [٢].
وفي الحقيقة إنّ غنى المجتمع الإسلامي وقوته على المستوى الاقتصادي يتسبب في العزّة والفخر للمسلمين في مقابل الأجانب ويحد من هيمنتهم وسلطتهم الثقافيّة والسياسيّة على البلاد الإسلاميّة، ومعلوم أنّ مثل هذا الغنى والقدرة الاقتصاديّة والثروة الماليّة مقبول ومحبذ ومورد تأكيد الإسلام، بل يتسبب أيضاً في إلفات نظر غير المسلمين إلى المجتمع الإسلامي وتعرّفهم على الإسلام أكثر، وبالتالي إمتداد الإسلام في أجواء العالم.
البحث الرابع: المعطيات والآثار المخربة للفقر في المجتمع الإسلامي
تقدّم في البحوث السابقة الحديث عن موضوع إفرازات الفقر وتداعياته، ولكن من اللازم استعراض هذا الموضوع بشكل مستقل ومفصل.
ورد في المصادر الإسلاميّة كلام كثير عن آثار الفقر السلبية وتداعياته المخربة في المجال المادي والاقتصادي وكذلك المعنوي والثقافي، إنّ تداعيات وآثار الفقر في المجتمع ليست أمراً يخفى عن الأنظار، بل إنّ الفقر من بين المعضلات الاجتماعيّة تتبيّن آثاره في جو المجتمع أسرع من الأمور الأخرى، وتكون آثاره محسوسة للجميع، ولذلك ورد في رواية أنّ لقمان الحكيم قال لولده:
«إعلم أي بُنيّ إنّي قد ذقت الصبر وأنواع المرّ فلم أر أمرّ من الفقر» [٣].
وما ذكرناه آنفاً يؤيده بعض أرباب اللغة أيضاً، يقول الراغب:
«أصل الفقير هو المكسور الفقار يقال فَقَرَتْهُ فاقرةٌ أي داهيةٌ تكسر الفقار» [٤]
، ومن شأن ذلك التبعات والمشكلات التي يفرزها الفقر على مستوى الفرد والمجتمع.
ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث الشريف عن نبي الإسلام صلى الله عليه و آله حيث قال:
«أربعة من قواصم الظّهر ... فقرٌ لا يجد صاحبه مداوياً» [٥].
إنّ تأثير الفقر في العقائد والمزاج، وسلوك الإنسان، إلى درجة أنّه حتى لو كان الشخص قد عاش
[١]. المصدر السابق، الكتاب ٥٣.
[٢]. المصدر السابق.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٥٣.
[٤]. المفردات للراغب، مادة «فقر».
[٥]. مكارم الأخلاق، ص ٥١٣؛ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٣٩، ح ٣٥.