موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧١ - ٥ الصبر في العلاقات الاجتماعى والإنسانيّة؛
الاستقامة في طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
؛ إنّ الأنبياء الإلهيين عليهم السلام هم المصداق البارز والعيني لهذا الصبر، ولذلك يحكي القرآن الكريم عن قول بعض الأنبياء في مقابل أقوامهم:
«وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ» [١]
، وكذلك يوصي الباري تعالى نبيّه الكريم صلى الله عليه و آله من موقع التسلي بأنّه إذا رأيت المشركين يكذبونك في دعوتك فلا تقلق ولا تحزن لأنّ الأنبياء السابقين وقعوا أيضاً مورد تكذيب أقوامهم ولكنّهم صبروا واستقاموا في طريق الرسالة والمسؤوليّة:
«وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا» [٢].
٤. الصبر في مقابل المشاكل والتحديات والمصائب الفردية والاجتماعيّة؛ [٣]
، إنّ أغلب ما وقع من التحريف في مفهوم الصبر يندرج في هذا المورد، وهذا الصبر يعني الاستقامة بالاقتران مع السعي لحل المشكل، لا التسليم في مقابل المشكلات وتحملها بدون قيد وشرط، ومثل هذا الصبر وردت التوصية به في ميادين القتال، يقول القرآن الكريم:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا
...
وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» [٤]
. ومثل هذا الصبر يستتبع الظفر ويقترن به، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النقطة وقال:
«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً
...
فَإِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» [٥].
وقطعاً فإنّ مثل هذا الصبر في ميدان القتال لا يعني التسليم والهون والضعف في مقابل العدو، بل يتجلّى في الدفاع عن عزّة وكرامة المسلمين ويتسبب أن يكون عشرون نفراً مثلًا يملكون القدرة للوقوف أمام مائتين نفر، والنماذج البارزة لهذا النوع من الصبر في القرآن الكريم وردت في قصّة طالوت وأصحابه وكذلك أصحاب بدر والكثير من الأنبياء وأتباعهم، كما يقول القرآن الكريم:
«وَكَأَيِّنْ مِّنْ نَبِىٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ» [٦].
وبالنسبة للإمام الحسين بن علي عليهما السلام سيدالشهداء وهو الاسوة في الصبر والاستقامة، فنقرأ في أحد زياراته:
«ولقد عجبت من صبرك ملائكة السماوات» [٧].
٥. الصبر في العلاقات الاجتماعى والإنسانيّة؛
إنّ رعاية آداب المعاشرة وحسن الروابط الاجتماعيّة لا تتيسر إلّابالصبر والاستقامة، ويعبّر عن هذا النوع من الصبر بالمداراة [٨]، وذلك بالصبر في دائرة الروابط
[١]. سورة إبراهيم، الآية ١٢.
[٢]. سورة الأنعام، الآية ٣٤.
[٣]. انظر: بحار الأنوار، ج ٦٨، ص ٩٦ فصاعداً؛ كنز العمال، ج ٣، ص ٢٧٣ فصاعداً.
[٤]. سوة الأنفال، الآيات ٤٥ و ٤٦.
[٥]. سورة الأنفال، الآيات ٦٥ و ٦٦.
[٦]. سورة آل عمران، الآية ١٤٦.
[٧]. بحار الأنوار، ج ٩٨، ص ٢٤٠.
[٨]. يقول رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «مداراة الناس نصف الايمان والرفقبهم نصف العيش» (الكافي، ج ٢، ص ١١٧). وفي هذا الشأن انظر: كنز العمال، ج ٣، ص ٤٠٧.