موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٧ - ب) التوكّل
أنّ الباري تعالى يعتبر مدبّراً لجميع الأمور، فإنّ دور الإنسان فيها لا يكون مهملًا بل إنّ مصيره وتقديره قد وضع بيده، وببيان آخر: إنّ اللَّه تعالى خلق الإنسان مختاراً وحرّاً وبإمكانه أن يختار طريق السعادة بنفسه [١] وعلى هذا الأساس فهو مكلّف بالتصدي ومواجهة عوامل الفقر ولا ينبغي له أن يخضع لعوامل الظلم والجور والاستغلال.
ب) التوكّل
وأحد المفاهيم الإسلاميّة الأخرى التي تعرضت للتحريف من جهة بعض الأفراد، مفهوم التوكل.
إنّ الفهم الخاطىء للتوكل هو أنّ الإنسان كما أنّه أحياناً لا يقوم بالأعمال المتعلقة به بنفسه بل يتخذ وكيلًا لها، وهذا الوكيل يتحرك في مجال العمل بدلًا من الموكّل، وعلى أساس مصالحه، وهكذا هو حاله في مسألة التوكّل، حيث يفوّض أموره وأعماله إلى اللَّه كيما يقوم اللَّه تعالى بانجازها واتمامها، لأنّ اللَّه تعالى «نعم الوكيل» [٢]، وأنّه على كلّ شيء قدير، فالأفضل للإنسان أن يريح باله ويعطي للباري تعالى وكالة تامة ويستريح هو عن العمل والسعي [٣].
وهذا الاستيحاء من مفهوم التوكلّ خطير جدّاً، ويؤدّي إلى شيوع الفقر بين أفراد المجتمع، لأنّ وجود مثل هذا المنطق والمفهوم يميت أي نشاط وحركة في الإنسان ويقضي على قابلياته وملكاته، وبالتالي يعيش حالة الكسل ويقبع في بيته ويجلس وعينه تنظر إلى السماء وفمه مفتوح ينتظر اللقمة تنزل عليه وتصل إلى فمه.
ومن الواضح أنّ مثل هذا المفهوم من التوكّل غير صحيح ولا ينسجم مع الإسلام، بل مخالف للعقل السليم، فالإسلام قد أمر بشكل واسع بالعمل وبذل الجهد واعتبر العمل رديفاً للجهاد في سبيل اللَّه وقال:
«الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل اللَّه» [٤]
، فالعقل والشرع يقرران أنّ الدفاع عن العرض والنفس والمال والدين واجب على الإنسان، والقرآن الكريم يقول في مقام الجهاد:
«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ» [٥].
وقد ورد في رواية معروفة تتحدّث عن جماعة من الصوفية مع الإمام الصادق عليه السلام، حيث نقل لهم الإمام الصادق عليه السلام ضمن في كلامه حديثاً عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله قال:
«إنّ أصنافاً من امّتي لا يستجاب لهم دعاؤهم .... ورجل يقعد في بيته ويقول: ربّ ارزقني ولا يخرج ولا يطلب الرزق فيقول اللَّه عزّ وجلّ: عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فيكون قد أعذرت فيما بيني وبينك
[١]. وللمزيد من الاطلاع على مذهب الجبر والتفويض وأتباعه، وكذلك لتوضيح عقيدة أتباع أهل البيت انظر كتاب: «العدل الإلهي»، للعلّامة الشهيد مرتضى المطهّري و نفحات القرآن، ج ٤ لسماحة المؤلف.
[٢]. سورة آل عمران، الآية ١٧٣.
[٣]. انظر:: المبسوط السرخسي، ج ٣٠، ص ٢٤٧ (وفي هذا الكتاب نقلنا كلام واستدلال بعض العلماء في مجال مفهوم التوكل، ثمّ أجبنا عليه).
[٤]. الكافي، ج ٥، ص ٨٨، ح ١. وورد مثل هذا المضمون في كنزالعمال (ج ٤، ص ٥، ح ٩٢٠٣ و ص ٦، ح ٩٢٠٥).
[٥]. سورة الأنفال، الآية ٦٠.