موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٦ - أ) القضاء والقدر (الجبر والاختيار)
أ) القضاء والقدر (الجبر والاختيار)
إنّ بعض القضاء والقدر يعدّ من أقدم المسائل الكلاميّة وأكثرها غموضاً وفي هذه المسألة توجد نظريتان: افراطية وتفريطية وكلّ واحدة منهما استندت في مقوماتها على أساس الاستنباط من ظواهر بعض الآيات والروايات وكلا النظريتين مجانبتان للصواب.
النظريّة الاولى: تتعلق بمذهب «القدرية» أو «المفوّضة» وهؤلاء يعتقدون بالحرية المطلقة للبشر، والمعتزلة الذين هم أنصار هذا المذهب يقولون بأنّ مصير الإنسان مفوّض إليه نفسه وهو الذي يرسم مصيره وحياته وأنّ اللَّه تعالى لا يتدخل في مصير الإنسان:
«فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» [١]
، فهؤلاء استفادوا من هذه الآيات لإثبات مقولة التفويض المطلق للإنسان.
النظريّة الثانية: هي مقولة «الجبريين»، هؤلاء يقولون إنّ جميع حوادث العالم تحدث فقط بمشيئة اللَّه، وهذه الحوادث مكتوبة ومثبتة في كتاب غيبي ولا شأن للإنسان في التأثير على مصيره وما سيقع له من حوادث مستقبلية:
«مَا أَصَابَ مِنْ مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّنْ قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» [٢]
، وقد تصوروا أنّ مفهوم هذه الآية هو أنّ الإنسان ليس حرّاً في رسم مستقبله ومصيره، وأنّ كلّ شيء يقع في العالم البشر بشكل جبري وبدون اختيار من قبل الإنسان.
إنّ عقيدة الجبر ترتب عليها آثار اجتماعيّة خطيرة، وهذه العقيدة فتحت أيدي الحكّام الظالمين وسلاطين الجور للانتقام من المظلوم وتقييد أيدي المظلومين واستطاعوا على أساس هذا المفهوم غصب أموال الناس وتكريس هيمنتهم وسلطتهم والاستيلاء على حقوق الآخرين، لأنّ ذلك يدخل في دائرة المشيئة الإلهيّة والإرادة الربانية، وبالتالي فإنّ الفقراء والمستضعفين بدورهم لا يتجرؤن على مواجهتهم والتصدي لهم، لأنّ هذه المواجهة للظالمين تعتبر مواجهة لإرادة اللَّه تعالى ولتقديره، بل إنّهم غير مستعدين أن يتحركوا على مستوى الكسب من أجل تحصيل نعم اللَّه تعالى، لأنّهم يقولون: لا يمكن مواجهة القسم والتقدير الإلهي.
إنّ المعتقد بالجبر يتصور أنّ الظالم والمظلوم والغاصب والمغصوب، إنّما يقفون في مواجهة الباري تعالى بشكل مباشر فصاحب الحقّ ليس له عمل بمن يأخذ حقّه، لأنّ الغاصب لم يسحق حقّه، لأنّ ما وقع يمثّل الإرادة الحتمية للباري تعالى بعيداً عن تدخل إرادة الآخرين.
أمّا أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام فإنّهم يرفضون كلا هاتين المقولتين ويدعون المسلمين إلى طريق وسط ومعتدل
«أمرٌ بينالامرين»
، والمراد من الطريق الوسط أنّ أفعال الإنسان تستند إلى الباري تعالى من جهة وإلى الإنسان من جهة أخرى:
«لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين الأمرين»
وفي هذه العقيدة ضمناً
[١]. سورة العنكبوت، الآية ٤٠.
[٢]. سورة الحديد، الآية ٢٢.