موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٥ - تحريف المفاهيم الإسلاميّة
وأخرى في دائرة المفاهيم الأخلاقيّة والاقتصاديّة مثل مسألة الصبر، الزهد والقناعة، وذلك بأن يتصور الشخص من مفهوم الصبر التسليم والاستسلام في مقابل المشكلات والتحديات، ومعنى الزهد هو ترك النشاطات الاقتصاديّة، ومعنى القناعة ترك السعي وبذل الجهد لتحقيق حياة أفضل، في حين أنّ مثل هذه الأفكار لا تنسجم أبداً مع تعاليم الإسلام والتفاسير الواردة للنصوص الإسلاميّة لهذه الألفاظ والكلمات.
وما يدفع حكّام الجور وقوى السلطة إلى تحريف الدين هو الأغراض السياسيّة من قبيل استثمار واستغلال الرعية، تبرير وتسويغ تحمل الظلم والانظلام من قِبل الرعية وتضييع حقوقهم، كما كان الحال في امراء بني امية وبني العباس حيث كان لديهم فئة من وعاظ السلاطين وعلماء الدين بوصفهم رواة للحديث ومفسرين للقرآن وعلماء في الدين، حيث كانوا يقلبون حقائق الدين ويفسرون آيات القرآن وروايات النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله بما يحلوا لهم وبما يرضي خلفاء الجور عنهم، وبالتالي يحققون أطماعهم ويكرسون هيمنتهم على المسلمين.
إنّ الكفّار والأجانب استخدموا طرقاً كثيرة لاضعاف قدرة المسلمين واستنزاف طاقاتهم والاستفادة منهم بما يحقق لهم مطامعهم.
يقول الباري تعالى في القرآن الكريم:
«أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ»
، فلم يكن تحريفهم عن عدم الوعي؛ بل كان تحريفهم بوعي ودراية
«ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ» [١]
ولكن لغرض إضلال الآخرين عن المسار الأصلي:
«يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَّوَاضِعِهِ» [٢].
إن تحريف المفاهيم الدينيّة على إمتداد التاريخ وقع من قِبل المسلمين أنفسهم أيضاً وإمتدت إلى دائرة الأشعار والمواعظ والنصائج أيضاً، وفي صدر الإسلام كان عثمان بن مظعون، وهو مسلم ملتزم ومخلص، يتصور أنّ سلوك طريق الرهبنة مقبول في الإسلام، ولذلك ترك عمله ولبس ثياب الرهبان واعتزل في زاوية من البيت واشتغل بالعبادة، ولكن أدرك خطأه من خلال نصيحة النّبي صلى الله عليه و آله [٣] له، فمثل هذه التحريفات وبدوافع مختلفة مستمرة لحد الآن.
وفي عصرنا الحاضر نرى بعض المثقفين الدينيين أيضاً المتأثرين بمذاهب الماديّة والغربية، يتحركون على مستوى تأويل وتفسير النصوص الدينيّة بوحي من آرائهم وأهوائهم، وطبعاً فإنّ أعداء الإسلام لم يقفوا مكتوفي الأيدي وقد سعوا إلى القضاء على الدين من خلال مقولة التحريف غالباً.
تحريف المفاهيم الإسلاميّة:
بعد هذه المقدّمة نستعرض الآن بعض المفاهيم الدينيّة المقدّسة التي لم تسلم بدورها من عمليّة التحريف وترك ذلك تأثيراً كبيراً في إشاعة الفقر في المجتمعات الدينيّة:
[١]. سورة البقرة، الآية ٧٥.
[٢]. سورة النساء، الآية ٤٦.
[٣]. انظر الكافي، ج ٥، ص ٤٩٤، ح ١؛ مسند أحمد، ج ٦، ص ٢٢٦.