موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٣ - ٤ النظام السياسي والثقافي
يتضمّن هذه المجموعة من الأحكام الواقية، فإنّ النشطاء الاقتصاديين يستطيعون بطيب خاطر وأمن نفساني، أن يعرضوا بضاعتهم في السوق بعيداً عن أي تهديد واستغلال، وبالتالي يؤدّي ذلك إلى تقوية عوامل الرشد والنمو في المجتمع الإسلامي.
وطبعاً هناك مسائل أخرى تساهم في تحقيق هذا الغرض المهم، ومنها:
أ) الاستقلال والاكتفاء الذاتي الاقتصادي الذي يعدّ بنفسه أحد أهداف الاقتصاد الإسلامي وسيأتي بيانه في البحوث اللاحقة، ولا شك أنّ التبعية وإرتباط البلد الإسلامي بالبلدان الأجنبية يعدّ تهديداً جدّياً للأمن الاقتصادي وخاصة إذا كان هذا الإرتباط في حقل البضائع الأساسية كالقمح وسائر المحصولات العامّة، وفي هذه الصورة فإنّ البلد التابع سيتعرض دوماً إلى الضغوط الاقتصاديّة وعوامل الابتزاز الاقتصادي، لأنّ يجد نفسه مضطراً إلى اتباع سياسات البلدان المتبوعة في نشاطاته الاقتصاديّة.
ب) إلفات نظر النشطاء الاقتصاديين بما ورد في مبني الاقتصاد الإسلامي، أعم من المباني الاعتقادية، الأخلاقيّة، الحقوقيّة، العباديّة والاجتماعيّة.
ومعلوم أنّ النشطاء الاقتصاديين في السوق وسائر المراكز التجاريّة الأخرى وفي جميع معاملاتهم ونشاطاتهم الاقتصاديّة إذا راعوا أصول من قبيل: ١.
إنّ الرازق هو اللَّه تعالى ٢. إنّ الرزق مقدّر، ولا ينبغي سلوك الطرق المحرمة بدلًا من الطرق المشروعة. ٣.
إنّ الحرص لا يزيد في الرزق. ٤. إنّ الرزق مضمون لكلّ طالب. ٥. إنّ التقوى والتوكل على اللَّه تعالى في النشاطات الاقتصاديّة يتسبب في تحصل الرزق و ...، فلا يتحرك النشطاء بعد ذلك للقيام بما يربك الحركة الاقتصاديّة ولا يقعون ضحية الضغوط والتهديدات الاقتصاديّة للأعداء وبالتالي تزداد حالة الأمن الاقتصادي في المجتمع.
ج) وقد ورد في الآيات والروايات الشريفة إلتفات للموانع والآفات على المستوى الأمني، سواءً الموانع الأخلاقيّة أو الاجتماعيّة والعمليّة، من قبيل الروايات التي تذم الحرص والطمع وأنّ الإنسان الحريص محروم من الشعور بالغنى وعدم الحاجة [١]، والروايات التي تتحدّث عن الحسد وتأثيره في إيجاد الخلل والإرباك في الحياة الاجتماعيّة [٢]، الروايات التي تتحدّث عن الكذب وتأثيره في إيجاد الفقر وقلّة الرزق [٣]، والروايات والآيات التي تتحدّث عن كفران النعمة وحالة البطر في النعمة [٤]، والروايات التي تتحدّث عن الاختلافات والفرقة وتأثيرها في اضطراب الأمور [٥]، والروايات التي تتحدّث عن قطع الرحم وتأثيره في إزالة النعمة [٦]، والآيات والروايات التي تتحدّث عن الربا وتأثيره في ازدياد الظلم والفساد وفناء الثروة [٧]، والروايات التي تتحدّث عن اللجوء إلى الظالمين ومساعدة حكّام الجور وتأثيرها في إيجاد حالات الفقر والرعب [٨]، والروايات التي تتحدّث عن عدم الاهتمام بالفقراء والتفاخر بالأموال وتأثيرها في خيانة المسؤولين وتكريس سلطة الأجانب [٩]، وأيضاً الروايات التي تتحدّث عن التكاثر والتسابق في الغلاء وزيادة الأسعار وتأثيرها في تشديد حالات البغي والظلم [١٠]، وأخيراً الروايات والآيات التي تتحدّث عن الذنوب بشكل عام وتأثيرها في تعميق حالات الفساد والانحطاط [١١].
وهذه الأمور المذكورة تعد من مسببات إنعدام الأمن الاقتصادي بشكل مباشر أو غير مباشر، على سبيل المثال أنّ أحد الآثار العمليّة للحسد ما يقوم به الشخص الحسود في إيجاد المعيقات للنشاط الاقتصادي للعاملين، وهذه المعيقات وإلقاء العصا في عجلة الاقتصاد تعدّ من جملة الآثار المخربة في إزالة حالة الأمن الاقتصادي من فضاء المجتمع.
٤. النظام السياسي والثقافي
ممّا لا شك فيه اليوم أنّ ثمة علاقة أساسية فيما يتصل بالمسائل السياسيّة وعلاقتها مع المسائل الاقتصاديّة، فالبلد الذي يريد أن يعيش الاستقلال في نظامه السياسي لابدّ له من تقوية وتنمية اقتصاده
[١]. انظر: غرر الحكم، ح ٦٦٣٥ و ٦٦٣٣.
[٢]. انظر: غرر الحكم، ح ٦٨٢٦ و ٦٨٥٧.
[٣]. انظر: كنز العمال، ج ٣، ص ٦٢٣، ح ٨٢٢٠ عن رسول اللَّه، و أمالي المفيد، ص ٣١٠، ح ٢ تحقيق الاستاذ ولي وعلي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامى، قم، الطبعة ا لثانية، ١٤٠٤ ه ق.
[٤]. انظر: سورة النحل، الآية ١١٢؛ غرر الحكم، ح ١٠٤١٢.
[٥]. انظر: غرر الحكم، ح ١٠٧٤١.
[٦]. انظر: المصدر السابق، ح ٩٣٢١.
[٧]. انظر: من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٥٦٦، ح ٤٩٣٤.
[٨]. انظر: مجموعة الورّام، أبوالحسين الورّام بن أبي فراس، التوفي ٦٠٥ ه، دار التعارف ودار صعب، بيروت، عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، و كنزالعمال، ج ١٦، ص ٨٠، ح ٤٤٠١٠ عن رسول اللَّه؛ أمالي الصدوق، ص ٣٨٤، ح ٤٩٣.
[٩]. انظر: مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٣٦١، عن رسولاللَّه صلى الله عليه و آله.
[١٠]. انظر: المصدر السابق، ص ١٨٦.
[١١]. انظر: سورة الروم، الآية ٤١؛ سورة طه، الآية ١٢٤؛ سورة الشورى، الآية ٣٠؛ و الخصال، ص ٦١٦، ح ١٠.