موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - نظرة لسائر المباني والأصول الحاكمة
السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكفّل لك بالإجابة ...» [١].
١٠/ ٥. إنّ أحد السنن الحاكمة، سنّة «الاستدراج»، وهذه السنّة تقرر: إنّ بعض أشكال الزيادة في المال والثروة لا تعدّ رحمة وبركة ونعمة، بل عذاباً ونقمةً، وذلك في مورد لا يراعي الناشط الاقتصادي الموازين الإلهيّة وأحكام الحلال والحرام ويحصل بذلك على الآلاف المؤلفة من الثروات، فيجب الحذر من مثل هذه الزيادة والكثرة كما يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«إذا رأيت ربّك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره» [٢]
لأنّ هذه الظاهرة تعكس في باطنها عمليّة الاستدراج بحيث تجرك إلى جهة العذاب الأليم في هذه الدنيا أو في الآخرة، وعندما ترى أنّ اللَّه تعالى مع كثرة ذنوبك يتابع نعمته عليك فاحذر من عمليّة الاستدراج:
«إذا رأيت اللَّه سبحانه يتابع عليك النعم مع المعاصي فهو استدراج لك» [٣].
١١/ ٥. إنّ المعصية والتوبة منها تعدّ من الأصول لزيادة النعمة أو فنائها وزوالها، وهذه الحقيقة هي ما وردت على لسان النّبي نوح في القرآن الكريم:
«فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً» [٤].
ويشير أميرالمؤمنين في كلام له في نهج البلاغة إلى هذا المعنى:
«إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الَّثمَرَاتِ، وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَإِغْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الاسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً» فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَءاً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وَبَادَرَ مَنِيَّتَهُ» [٥].
١٢/ ٥. إنّ الإيمان والتقوى أيضاً يعتبران، كما يصرّح القرآن الكريم، أحد الأصول الحاكمة لنزول البركات الاقتصاديّة:
«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» [٦].
١٣/ ٥. إنّ العدل يأتي بالبركة والظلم يزيل النعم، وهذه من الأصول الأخرى التي جعلها اللَّه تعالى حاكمة على النظام الاقتصادي ونقرأ في كلام لأميرالمؤمنين أنّه قال:
«بالعدل تتضاعف البركات» [٧]
وفي كلام آخر لهذا الإمام العظيم عليه السلام يقول:
«الظلم يَطْرد النعم» [٨].
١٤/ ٥. وآخر هذه السنن والأصول التي نشير إليها هنا شكر النعمة وفي مقابلها كفران النعمة، والقرآن الكريم يصرّح بهذه الحقيقة ويقول:
«لَئِنْ شَكَرْتُمْ
[١]. نهج البلاغة، الرسالة ٣١.
[٢]. المصدر السابق، الحكمة ٢٤.
[٣]. غرر الحكم، ح ٧٨٤٩.
[٤]. سورة نوح، الآية ١٠- ١٢.
[٥]. نهج البلاغة، الخطبة ١٤٢.
[٦]. الأعراف، الآية ٩٦.
[٧]. ميزان الحكمة، ح ١٧٠٢.
[٨]. غرر الحكم، ح ١٠٤١٠.