موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٣ - ٣ حفظ كرامة الإنسان وعزّته النفسانية
شؤون المجتمع الإسلامي، ومنها الحياة الاقتصاديّة والمسائل الماليّة، والتي تملك بدورها مظاهر مختلفة:
أ) إنّ الناشط الاقتصادي في مثل هذا المجتمع لا يلوث نفسه بالأموال الحرام وغير المشروعة.
وتوضيح ذلك: إنّ الإنسان المؤمن الذي يتحرك في مجال النشاطات الاقتصاديّة وفي كسب المال وإنتاج الثروة، لا يورط نفسه في سلوك الطرق الحرام وغير المشروعة، ولا يستخدم الأساليب المخالفة لكرامته وحريته، وهذا يعني أنّ المدارس الاقتصاديّة الماديّة في الدنيا، في ذات الوقت التي لا ترى أي قيد وشرط في تحصيل الثروة وتوزيعها، فإنّها تبيح كلّ نشاط تجاري يدر الربح على صاحبه، وبالتالي لا تجد مانعاً من انشاء مراكز الفساد والانحطاط من قبيل مراكز القمار والفحشاء والبغاء، بل تضع القوانين لحماية مثل هذه النشاطات الفاسدة، وفي حين أنّ تجارة الرقيق الأبيض (الجنس) باقية على قوتها، على أساس الإحصاءات التي سنبيّنها في هذا الكتاب في فصل: «سيادة الأخلاق على النظام الاقتصادي في الإسلام» فإنّ هذه التجارة تنتشر وتتسع في كلّ عام، والمخدرات بدورها، مع المنع الظاهري لها، فإنّها تتسع وتنشط كذلك خلف الستار، بواسطة الكثير من أقطاب الثروة وقوى الهيمنة ومع حماية الكثير من زعماء البلدان المتقدمة وبشكل خفي، وكذلك التجارة المربحة لأنواع الأسلحة المدمرة وحتى في صورة اللزوم، الأسلحة الكيميائيّة والميكروبيّة، وبشكل عام أسلحة الدمار الشامل وبشكل علني، وفي مثل هذه الحالة نرى أنّ المؤمن يتحرك في تجارته وإدارة أمور اقتصاده برؤية جميع الأرباح والنفقات في إطار القيم الأخلاقيّة والكرامة الإنسانيّة، وأنّ جميع ما ورد أعلاه، أعم من تأسيس مراكز الفساد، تجارة المخدرات، تجارة الرقيق الأبيض، أسلحة الدمار الشامل و ... محرمة وممنوعة ويتحرك من موقع اجتنابها بشدّة، وبشكل عام يجتنب الورود في المعاملات المحرمة في دائرة النشاطات الاجتماعيّة له، لأنّه يعتقد على أساس التعاليم الدينيّة أنّ اللَّه تعالى قسّم أرزاق العباد بينهم بشكل حلال ولا أحد يموت إلّا بعد أن يحصل على رزقه المقدر والمقسوم والحلال بشكل كامل وإن تأخر بعض الشيء.
هذا في حين أنّه لو تلوث بالحرام وتحرك على مستوى النشاطات الاقتصاديّة من طرق غير مشروعة فإنّ الرزق الإلهي الحلال سينقطع، وهذا يعني تلك الحقيقة التي وردت بسند معتبر في الروايات عن الإمام الباقر عليه السلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال في حجّة الوداع:
«ألا إنّ الروح الأمين نفث في روعي أنّه لا تموت نفس حتّى تستكمل رزقها فاتّقوا اللَّه وأجملوا في الطلب ولايحملنّكم استبطاء من الرزق أن تطلبوه بمعصية اللَّه، فإنّ اللَّه تبارك وتعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالًا ولم يقسّمها حراماً فمن اتّقى اللَّه وصبر أتاه اللَّه برزقه من حلاله ومن هتك السّتر وعجّل فأخذه من غير حلّه قصّ به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم