منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٣٢
يدعوهم للاَخذ بالقرآن أوّلاً، لا اعتقاداً منهم بكونه كافياً في معرفة الاَحكام؛ فهم ـ حينما أرجعوا الناس إلى القرآن ـ كانوا يعلمون حقّ العلم أن القرآن محتاج إلى السنّة وأنّ رسول الله مكلّف بتبيين الاَحكام للناس في قوله تعالى (لتُبيِّن للناس ما نزل اليهم)[١]، لكنّ إبعادهم عن السنّة المطهّرة والدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن إنّما يمكّن لهم رسم البديل الذي هو اجتهاداتهم وأن يُصار إلى الاعتقاد بأنّهم أعلم من غيرهم: يؤخَذُ منهم ويردّ عليهم!
لذا نجد بين الصحابة من لا يرتضي العمل باجتهادات الشيخين، لاَنّه عرف أنّ الكتاب والسنّة هما الاَصلان الرئيسيّان في التشريع لا الاجتهاد. ولو كان قد ورد في اجتهاد الشيخين نصّ خاصّ لسمعوه وتلقّوه، ولَمَا قالوا: أسنّة عمر نتّبع أم سنّة رسول الله؟!
أو قولهم: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله، ويقولون: نهى أبو بكر وعمر.
ومن الطريف ونحن ندرس الحوادث أن نرى في سجلّ أصحاب الرأي والاجتهاد؛ ـ ذرّاً للرماد في العيون وخلطاً للحابل بالنابل ـ أسماءً لرجال أمثال ابن مسعود ومعاذ وابن عبّاس وغيرهم من أصحاب المدوّنات المتعبّدين نُسبت إليهم نصوص من البعيد أن تكون ممّا وقع فعلاً في التاريخ، بعد غضّ النظر عن سندها، لِما عرفنا من ملابسات الاَُمور وحاجة أنصار الخليفة إلى مثلها. ولو درسنا هذه القضايا بروح علميّة لوقفنا فيها على كثير من المؤاخذات والاضطرابات.
هذا وقد أكّد إبن حزم وغيره أنّ حديث معاذ في الاجتهاد ضعيف، وذهب آخرون إلى أنّه موضوع.
فقال ضمن كلامه: وبرهانُ وضعِ هذا الخبر وبطلانه هو أنّ من الباطل الممتنع أن يقول رسول اللهُ: فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنّة نبيّه، وهو يسمع قول ربّه (واتّبِعُوا أحسنَ ما أُنزل إليكُم مِن ربّكُم)[٢]، وقوله:
____________
[١] النحل : ٤٤ .
[٢] الزمر : ٥٥ .
===============