تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٤٦ - وسط وسط
و قال سَوَّارُ بنُ المُضرّب:
إِنّي كَأَنِّي أَرَى مَنْ لا حَياءَ لَهُ # و لا أَمانَةَ وَسْطَ النّاسِ عُرْيَانَا
١٤- و في الحَدِيثِ : «أَتَى رَسُولُ اللََّه صلى اللََّه عليه و سلّم وسْطَ القَوْمِ» . أَيْ بَيْنَهُمْ. و لَمّا كانَتْ «بَيْنَ» ظَرْفاً، كانت « وَسْطَ » ظَرْفاً و لِهََذَا جاءَتْ سَاكِنَةَ الأَوْسَطِ لِتَكُونَ على وِزَانِهَا، و لَمّا كانَتْ بَيْنَ لا تَكُونُ بَعْضاً لِمَا يُضَافُ إِلَيْهَا بخِلافِ الوَسَطِ الَّذِي هو بَعْضُ ما يُضَافُ إِلَيْه، كَذََلِكَ وَسْط لا تَكُونُ بَعْضَ ما تُضَافُ إِلَيْه، أَلا تَرَى أَنَّ وَسَطَ الدّارِ مِنْهَا، و وَسْط القَوْمِ غَيْرُهم؟و مِنْ ذََلِكَ قَوْلُهم: وَسَطُ رَأْسِه صُلْبٌ، لأَنَّ وَسَطَ الرّأْسِ بَعْضُها، و تَقُولُ: وَسْطَ رَأْسِهِ دُهْنٌ. فتَنْصِبُ وَسْطَ على الظَّرْفِ.
و لَيْسَ هو بَعْضَ الرَّأْسِ. فقَدْ حَصَلَ لَكَ الفَرْقُ بَيْنَهُما من جِهَةِ المَعْنَى، و مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ. أَمَّا من جِهَةِ المَعْنَى، فإِنَّهَا تَلْزَمُ الظَّرْفِيَّةَ، و لَيْسَتْ باسْمٍ مُتَمَكِّنٍ يَصِحُّ رَفْعُهُ و نَصْبُه، عَلَى أَنْ يَكُونَ فاعِلاً و مَفْعُولاً، و غَيْرَ ذََلِكَ بِخلافِ الوَسَطِ .
و أَمَّا من جِهَةِ اللَّفْظِ فإِنَّهُ لا يَكُونُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ، بِخِلافِ الوَسَطِ أَيْضاً. فإِنْ قُلْتَ: قَدْ يَنْتَصِبُ الوَسَطُ عَلَى الظَّرْفِ، كما يَنْتَصِبُ الوَسْط كقَوْلِهِم: جَلَسْتُ وَسَطَ الدّارِ، و هُوَ يَرْتَعِي وَسَطاً ، و مِنْهُ ما جاءَ ١٦- في الحَدِيثِ : «أَنَّهُ كانَ يَقِفُ في [١] الجَنَازَةِ عَلَى المَرْأَةِ وَسَطَهَا » . فالجَوَابُ أَنَّ نَصْبَ الوَسَطِ على الظَّرْفِ إِنَّمَا جاءَ عَلَى جِهَةِ الاتِّساعِ، و الخُرُوجِ عَنِ الأَصْلِ عَلَى حَدِّ ما جَاءَ «الطَّرِيق» و نَحْوهُ، و ذََلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ:
كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
و لَيْسَ نَصْبُهُ عَلَى الظَّرْفِ عَلَى مَعْنَى بَيْنَ كَمَا كانَ ذََلِكَ فِي وَسْط ، أَ لا تَرَى أَنَّ وَسْطاً لاَزِمٌ للظَّرْفِيّة، و لَيْسَ كَذََلِكَ وَسَطٌ ؟بَلِ الّلازِمُ لَهُ الاسْمِيَّة في الأَكْثَرِ و الأَعَمِّ، و لَيْسَ انْتِصَابُه عَلَى الظَّرْفِ-و إِنْ كانَ قَلِيلاً في الكَلامِ-عَلَى حَدِّ انْتِصَابِ الوَسْطِ فِي كَوْنِهِ بِمَعْنَى بَيْنَ، فافْهَم ذََلِكَ.
قال: و اعْلَمْ-أَنَّهُ مَتَى دَخَلَ عَلَى « وَسْط » حَرْفُ الوِعَاءِ- خَرَجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ و رَجَعُوا فِيه إِلَى وَسَط ، و يَكُونُ بمَعْنَى وَسْط ، كقَوْلِكَ: جَلَسْتُ فِي وَسَطِ القَوْمِ. و في وَسَطِ رَأْسِه دُهْنٌ. و المَعْنَى فِيهِ مَعَ تَحَرُّكِهِ، كمَعْناهُ مَعَ سُكُونِهِ، إِذا قُلْتَ: جَلَسْتُ وَسْطَ القَوْمِ و وَسْطَ رَأْسِهِ دُهْنٌ، أَ لاَ تَرَى أَنّ وَسْطاً يَلْزَمُ الظَّرفِيّة، و لا يَكُونُ إِلاَّ اسْماً، فاسْتُعِيرَ لَهُ إِذا خَرَجَ عَنِ الظَّرْفِيّة الوَسَطُ على جِهَةِ النِّيَابَةِ عَنْه، و هو في غَيْرِ هََذَا مُخَالِفٌ لِمَعْنَاهُ. و قد يُسْتَعْمَلُ الوَسْطُ الَّذِي هو ظَرْفٌ اسْماً و يُبَقَّى عَلَى سُكُونه، كما اسْتَعْمَلْوا بَيْنَ اسْماً عَلَى حكمِهَا ظَرْفاً في نَحْوِ قَوْلِه تَعالَى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [٢]
قال القَتَّالُ الكِلابِيُّ:
مِنْ وَسْطِ جَمْعِ بَنِي قُرَيْظٍ بَعْدَما # هَتَفَتْ رَبِيعَةُ يا بَنِي خَوَّارِ [٣]
و قال عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ:
وَسْطُهُ كاليَراعِ أَوْ سُرُجِ المَجْ # دَلِ، حِيناً يَخْبُو، و حِيناً يُنِيرُ
انتهى كَلامُ ابن بَرِّيّ.
و قال ابنُ الأَثِيرِ-في تَفْسِيرِ ١٦- حَدِيثِ : «الجالِسُ وَسْطَ الحَلْقَةِ مَلْعُونٌ» . -ما نَصُّهُ: الوَسْط «بالتَّسْكِينِ» يُقالُ فِيما كانَ مُتَفَرِّقَ الأَجْزَاءِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ، كالنّاسِ و الدَّوَابِّ و غَيْرِ ذََلِكَ، فإِذا كانَ مُتِّصِلَ الأَجْزَاءِ كالدّارِ و الرَّأْسِ فهو بالفَتْحِ. و كُلُّ ما يَصْلُحُ فِيهِ «بَيْن» فَهُوَ بالسُّكُونِ، و ما لا يَصْلُحُ فِيهِ «بَيْنَ» فَهُوَ بالفَتْحِ. و قِيلَ: كُلُّ مِنْهُما يَقَعُ مَوْقِعَ الآخَرِ، قالَ: و كَأَنَّه الأَشْبَهُ. قالَ: و إِنَّمَا لُعِنَ الجَالِسُ [٤] وَسْطَ الحَلْقَةِ لأَنَّهُ لا بُدَّ و أَنْ يَسْتَدْبِرَ بَعْضَ المُحِيطِين بِهِ، فَيُؤْذَيهِمْ، فيَلْعَنُونَهُ و يَذُمُّونَهُ.
قُلْتُ: هََذا خُلاصَةُ ما ذَكَرَهُ الأَئِمَّةُ في الفَرْقِ بَيْنَ وَسْط و وَسَطَ . و كلامُ اللَّيْثِ يَقْرُبُ مِنْ كَلامِ الجَوْهَرِيِّ. و كَلامُ المُبَرِّد [٥] يَقْرُبُ مِنْ كَلامِ ابنِ بَرّيّ، أَعْرَضْنا عَنْ إِيرادِ نُصُوصِهِم كُلِّهَا مَخافَةَ التَّطْوِيلِ، و فِيما ذَكَرْناهُ كِفَايَةٌ، و إِلَى تَحْقِيق ما سَطَّرْنَاه النِّهَايَة. و قَدِيماً كُنْتُ أَسْمَعُ شُيُوخَنَا يَقُولُون
[١] في اللسان: في صلاة الجنازة.
[٢] سورة الأنعام الآية ٩٤.
[٣] اللسان و فيه: يا بني جوّاب.
[٤] ضبطت بالبناء للمجهول عن اللسان، و ضبطت في النهاية بالبناء للمعلوم: «لَعَن الجالسَ» .
[٥] نقل الأزهري في التهذيب قول المبرد، قال: و قال المبّرد: تقول وَسَط رأسك وهنٌ يا فتى لأنك أخبرت أنه استقر في ذلك الموضع فأسكنت السين و نصبت لأنه ظرف. و تقول: وَسَطْ رأسك صلب لأنه اسم غير ظرف.