تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٤٨ - وسط وسط
قُلْتُ: و لِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هََذِهِ الأَقْوَالِ المَذْكُورَةِ دَلِيلٌ و تَوْجِيهٌ مَذْكُورٌ فِي مَحَلِّه، و أَقْوَى الأَقْوَال ثَلاثةٌ: العَصْرُ، و الصُّبْحُ، و الجُمُعَةُ، كما في البصائِر.
قال ابنُ سِيدَه في المُحْكَم: مَنْ قَالَ هِيَ غَيْرُ صَلاةِ الجُمُعَةِ فقَدْ أَخْطَأَ، إِلاَّ أَنْ يَقُولَهُ بِرِوَايَةٍ مُسْنَدَةٍ إِلَى النَّبِيّ صلى اللََّه عليه و سلّم ، انْتَهَى. و عَلَّلها بكَوْنِها أَفْضَلَ الصَّلَوَاتِ، قِيلَ لا يَرِدُ عَلَيْهِ ١٤- قَوْلُه صلى اللََّه عليه و سلّم في يَوْمِ الأَحْزَابِ : «شَغَلُونا عَن الصَّلاةِ الوُسْطَى صَلاةِ العَصْرِ مَلَأ اللََّه بُيُوتَهُمْ و قُبُورهُمْ نَاراً» . لِأَنَّه لَيْسَ المُرادُ بِهَا في الحَدِيثِ المَذْكُورَةَ في التَّنْزِيلِ أَي أَنّ المَذْكُورَةَ في الحَدِيثِ لَيْس المُرَادُ بِهَا المَذْكُورةَ في التَّنْزِيل، أَيْ لاِحْتِمَالِ أَنَّهَا غَيْرُهَا، و هُوَ كَلامٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، و لا مُعَوَّلَ عَلَيْه، فإِنّ الآيَاتِ تُفسِّرُها الأَحَادِيثُ ما أَمْكَن، كالعَكْس، و لا يَجُوز لأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ في آيَةٍ وَقَعَ فِيهَا نَصٌّ من السَّلَفِ، و لا في حَدِيثٍ وَافَقَ آيَةً، و صَرَّح السَّلَفُ بِأَنَّهَا تُوافِقُه أَو وَرَدَتْ فِيهِ، أَو نَحْو ذََلِكَ، كَمَا حَقَّقَهُ شَيْخُنَا. ثُمَّ إِنَّ الحَدِيثَ المَذْكُورَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، و يعضدُه ١٦- حَدِيثٌ آخَرُ أَنَّهَا الصّلاةُ الَّتِي شُغِلَ عَنْهَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السّلامُ حَتََّى تَوََارَتْ بِالْحِجََابِ . و أَوْرَدَ مُلاّ عَلِيٍّ في نَامُوسِه كَلاماً قد ذَكَرَ حاصِلَهُ، و اسْتَدَلَّ بِهََذَا الحَدِيثِ، و بِمَا في مُصْحَفِ حَفْصَةَ [١] ، و ذَكَرَ شَيْخُنَا الإِجْمَاعَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيهث على أَنَّهَا صَلاةُ العَصْرِ، كما أَشَرْنَا إِلَيْه. فَتَأَمَّلْ، و اللََّه أَعْلَمُ.
قُلْتُ: و قد أَفْرَدْتُ في هََذِهِ المَسْأَلَةِ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً، جَلَبْتُ فِيهَا نُصُوصَ العُلَمَاءِ و الأَئمّةِ كالقُرْطُبِيِّ، و ابْنِ عَطِيّةَ، و السُّلَمِيِّ، و أَبِي حَيّانَ، و النَّسَفِيِّ، و الحَافِظِ الدّمْيَاطِيِّ، و البِقَاعِيِّ، و غَيْرِهم، فراجِعْها.
و وَسَّطَهُ تَوْسِيطاً : قَطَعَهُ نِصْفَيْن ، يُقَالُ: قُتِلَ فُلانٌ مُوَسَّطاً . أَو وَسَّطَهُ : جَعَلَه فِي الوَسَطِ ، و مِنْهُ قِرَاءَةُ بَعْضِهِم:
فَوَسَّطْنَ به جَمْعاً [٢] قال ابنُ بَرِّيّ: هََذِه القِرَاءَة تُنْسَب إِلَى عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللََّه وجهَه، و إِلى ابنِ أَبِي لَيْلَى، و إِبْرَاهِيمَ بنِ أَبِي عَبْلَةَ. قُلْتُ: و عَمْرِو بنِ مَيْمُونَ، و زَيْدِ بنِ عَلِيٍّ. و أَبي حَيْوَةَ، و أَبي البَرَهْسَمِ، و الباقُونَ بالتَّخْفِيفِ.
و تَوَسَّطَ بَيْنَهُمْ: عَمِلَ الوَساطَةَ .
و تَوَسَّطَ أَخَذَ الوَسَطَ ، و هو بَيْنَ الجَيِّدِ و الرَّدِيءِ . قال ابْنُ هَرْمَةَ يَصِف سَخاءَهُ:
و اقْذِفْ بِحَبْلِكَ حَيْثُ نالَ بِأَخْذِهِ # مِنْ عُودِهَا و اعْثَمْ و لا تَتَوَسَّطِ
و مُوسَطُ البَيْتِ، كمُكْرَمٍ: ما كانَ فِي وَسَطِهِ خَاصَّةً نَقَلَه ابنُ عَبَّادٍ.
*و ممّا يُسْتَدْرَكُ عليه:
الأَواسِطُ : جَمْع أَوْسَط ، و مِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
شَهْمٌ إِذا اجْتَمَعَ الكُماةُ و أُلْهِمَتْ # أَفْوَاهُها بأَواسِطِ الأَوْتَارِ
و قد يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ وَاسِطاً على وَوَاسِطَ ، فاجْتَمَعَتْ وَاوانِ، فَهَمَزَ الأُولَى.
و وَسَطَ الشَّيْءَ: صَارَ بأَوْسَطِهِ . قال غَيْلانُ بنُ حُرَيْثٍ:
و قد وَسَطْتُ مَالِكاً و حَنْظَلا # صُيَّابَها و العَدَدَ المُجَلْجِلا
و وُسُوطُ الشَّمْس: تَوَسُّطُهَا السَّمَاءَ.
و وَاسِطَةُ القِلاَدَةِ: الدُّرَّةُ الَّتِي في وَسَطِها ، و هي أَنْفَسُ خَرَزِهَا.
و دِينٌ وَسُوطٌ ، كصَبُورٍ: مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الغالِي و التّالِي.
و رَجُلٌ وَسِيطٌ ، أَي حَسِيبٌ في قَوْمِهِ، و وَسُطَ في حَسَبِهِ وَسَاطَةً وسِطَةً ، و وَسَّطَ تَوْسِيطاً .
و وَسَطَهُ : حَلَّ وَسَطَهُ ، أَيْ أَكْرَمَهُ. قال:
يَسِطُ البُيُوتَ لِكَيْ تَكُونَ رَدِيَّةً # مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ جَفْنَةُ المُسْتَرْفِدِ
و وَسَاطَةُ الدَّنانِيرِ: خِيَارُهَا.
و قال ابنُ دُرَيْدٍ: وَاسِطُ : مَوْضِعٌ بنَجْدٍ.
و وَاسِطَةُ ، «بالهَاءِ» : قَرْيَةٌ تَحْتَ المَوْصِلِ، و أُخْرَى في حَضْرَمَوْت، و أُخْرَى من قُرَى قَزْوِينَ. و منها مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بنِ أَبِي الرَّبِيعِ الوَاسِطِيُّ ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ في تارِيخِ قَزْوِينَ.
[١] الذي في مصحف حفصة، كما نقله القرطبي: حََافِظُوا عَلَى اَلصَّلَوََاتِ وَ اَلصَّلاََةِ اَلْوُسْطىََ - و هي العصر - وَ قُومُوا لِلََّهِ قََانِتِينَ .
[٢] سورة العاديات الآية ٥.