تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٥ - ربض ربض
و الرِّبْضَةُ من النَّاسِ: الجَمَاعَةُ مِنْهُم، و كَذَا من الغَنَمِ.
يقال: فيها رِبْضَةٌ من النَّاس، و الأَصْلُ للغَنَمِ، كما في اللِّسَان.
و قال ابنُ دُرَيْد: رَبَضَتِ الشَّاةُ و غَيْرُهَا من الدَّوَابِّ، كالبَقَر و الفَرَسِ و الكَلْبِ تَرْبِضُ ، و من حَدّ ضَرَبَ، رَبْضاً و رَبْضَةً ، بفَتْحِهِمَا، و رُبُوضاً ، بالضَّمّ، و رِبْضَةً حَسَنَةً ، بالكَسْرِ، كبَرَكَت، في الإبلِ ، و جَثُمَتْ، في الطَّيْر.
و مَوْضِعُهَا مَرَابِضُ ، كالمَعَاطِنِ للإِبل. و و أَربَضَها غَيْرُهَا ، كَذَا في النُّسَخِ. و لو قَال: «هُوَ» ، بَدَلَ «غَيْرها» كان أَخصَرَ.
و أَمّا ١٤- قولُه صلى اللََّه عليه و سلم للضَّحّاكِ بن سُفْيانَ بنِ عَوْن العامِرِيّ أَبِي سَعِيدٍ و قد بَعَثَهُ إِلى قَوْمِه بَنِي عامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ بْن كِلاب:
« إِذَا أَتَيْتَهُمْ فارْبِضْ في دارِهم ظَبْياً » . قال ابنُ سِيدَه: قِيلَ في تَفْسِيره قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: أَيْ أَقمْ في دِيَارِهِم آمِناً كالظَّبْيِ الآمِنِ في كِنَاسِه ، قد أَمِنَ حَيْثُ لا يَرَى إِنْسِيّاً [١] ، و هو قَولُ ابنِ قُتَيْبَةَ عن ابْنِ الأَعْرَابِيّ. أَو المَعْنَى: لاَ تَأْمَنْهُم، بل كُنْ يَقِظاً مُتَوَحِّشاً [٢] مُسْتَوْفِزاً، فإِنَّكَ بَيْنَ أَظْهُرِ الكَفَرَةِ ، فإِذا رَابَكَ مِنْهُم رَيْبٌ، نَفَرْتَ عَنْهُم شَارِداً، كما يَنْفِرُ الظَّبْيُ، و هو قَوْلُ الأَزْهَرِيّ: و «ظَبْياً» في القَوْلَيْنِ مُنْتَصِبٌ على الحالِ، و أَوقَعَ الاسْمَ مَوْقِعَ اسْمَ الفَاعِل، كَأَنَّه قَدَّرَه مُتَظَبِّياً كما حَكَاه الهَرَوِيّ في الغَرِيبَيْن.
قُلتُ: و الَّذِي ١٤- صَرَّحَ به الحافِظُ الذَّهَبِيُّ و غَيْرُه أَنَّ النَّبيَّ صلى اللََّه عليه و سلم إِنَّمَا أَرْسَلَه إِلى مَنْ أَسْلَم مِنْ قَوْمِه، و كَتَب إِليه أَن يُوَرَّثَ امرأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابيّ من دِيَةِ زَوْجِهَا. فالوَجْهُ الأَوَّلُ هو المُنَاسِبُ للمَقَام، و لأَنَّه كان أَحَدَ الأَبْطَال مَعْدُوداً بِمِائَةِ فارِس، كما رُوِيَ ذََلك، و كان مُسْتَوْحِشاً منهم، فَطَمَّنَهُ صلى اللََّه عليه و سلم، و أَزالَ عنه الوَحْشَةَ و الخَوْفَ، و أَمَرَهُ بأَن يَقَرَّ في بُيُوتِهِم قَرَارَ الظَّبْي في كِنَاسِه، و لا يَخْشَى من بَأْسِهِم، فتَأَمَّلْ.
و ١٤- في حَدِيث الفِتَنِ رُوِيَ عن النَّبِيّ صلى اللََّه عليه و سلم أَنَّه ذَكَرَ : «من أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَنْطِقَ الرُّوَيْبِضَةُ في أُمُورِ العَامَّة» . و هو تَصْغِير الرَّابِضَةِ ، وَ هُوَ الَّذِي يَرْعَى الرَّبِيضَ ، كما نَقَلَه الأزْهَرِيّ. ١٤- و بَقِيَّةُ الحَدِيثِ : «قِيلَ: و ما الرُّوَيبِضَةُ يا رَسُولَ اللََّهِ؟قال: الرَّجُلُ التَّافِهُ-أَي الحَقِيرُ-يَنْطِقُ في أَمْرِ العَامَّةِ» . . و هََذا تَفْسِيرُ النَّبِيِّ صلى اللََّه عليه و سلم لِلْكَلِمةِ . بأَبِي و أُمّي، و ليس في نَصِّه كَلمةُ «أَيْ» ، بَيْنَ التّافِه و الحَقِير. قلتُ: ١٤- و قَرَأْتُ في الكَامل لابن عَدِىٍّ في تَرْجَمَة مُحَمّد بْنِ إِسحاقَ عن عَبْدِ اللََّه بنِ دِينَار عن أَنس ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللََّه، ما الرُّوَيْبِضَةُ ؟قال: الفاسقُ يَتَكَلَّم في أَمرِ العَامَّة» . انْتَهَى. و قال أَبو عُبَيْد: و مِمّا يُثْبِتُ حَدِيثَ الرُّوَيْبَضَةِ ١٦- الحَدِيثُ الآخَرُ من أَشرَاطِ السَّاعَةِ «أَن يُرَى رعَاءُ الشاءِ رُؤُوسَ النَّاسِ» . و قال الأزْهَرِيُّ: الرُّوَيْبِضَةُ هو الَّذِي يَرْعَى الغَنَم، و قيل: هو العَاجِز الَّذِي رَبَضَ عن مَعَالِي الأُمُورِ و قَعَدَ عن طَلَبِهَا:
و زِيَادَةُ الهاءِ في الرّابضَةِ لِلْمُبَالَغَةِ. كما يُقَال دَاهِيَة-قال:
و الغَالِبُ عِنْدِي أَنَّه قِيلَ للتّافِهِ من النّاسِ: رابِضَةٌ و رُوَيْبِضَةٌ ، لِرُبُوضه في بَيْتِه و قِلَّةِ انْبِعَاثِه في الأمُور الجَسِيمَةِ. قال:
و منه قيل: رَجُلٌ رُبُضٌ على [٣] ، هََكَذَا في النُّسَخ، و صَوَابُه عن الحَاجَاتِ و الأَسْفَار، بضَمَّتَيْن ، إِذا كَانَ لاَ يَنْهَضُ فِيهَا ، و هو مَجاز. و قال اللِّحْيَانِيّ: أَي لا يَخْرُج فيها. و من المَجَازِ: قال اللَّيْثُ: فانْبَعَثَ لَه وَاحدٌ من الرّابِضَة ، قال:
الرّابِضَة : ملائِكَةٌ أَهْبِطُوا مع آدمَ عَلَيْه السَّلامُ يَهْدُون الضُّلاَّلَ. قال: و لَعَلَّه من الإِقامَةِ.
و في الصّحاح: الرَّابِضَةُ بَقِيَّةُ حَمَلَةِ الحُجَّةِ، لا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْهُم . و هو في الحَدِيث، و نَصُّ الصحاح: منه [٤]
الأَرْضُ.
و من المَجَازِ: الرَّبُوضُ ، كصَبُورٍ: الشَّجَرَةُ العَظِيمَةُ ، قاله أَبو عُبَيْد، زاد الجَوْهَرِيّ: الغَلِيظَةُ، و زاد غَيْرُه:
الضَّخْمَةِ. و قوله: الوَاسِعَة . مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً من الأَئِمَّةِ وَصَفَ الشَجَّرَةَ بِهَا، و إِنَّمَا وَصَفُوا بها الدِّرْعَ و القِرْبَةَ، كما سَيَأْتي.
و أَنشدَ الجَوْهَرِيّ قَوْلَ ذِي الرُّمَّة:
تَجَوَّفَ كُلَّ أَرْطَاةٍ رَبُوضٍ # مِنَ الدَّهْنَا تَفَرَّعَتِ [٥] الحِبَالاَ
و الحِبَالُ: الرِّمالُ المُسْتَطِيلَةُ.
[١] كذا بالأصل و النهاية و التهذيب، و في اللسان: أنيساً.
[٢] في التهذيب: «كالمتوجس» و في اللسان: «مستوحشاً» .
[٣] على هامش القاموس عن نسخة أخرى: «عن» و سيشير لها الشارح.
[٤] الذي في الصحاح المطبوع: «منهم» كالأصل.
[٥] في الصحاح: من الدهنا مربعة الخبالا.