تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٤٥ - وسط وسط
مُفِيدٌ لا يُسْتَغْنَى عَنْ إِيرادِهِ كُلِّه، لحُسْنِهِ، قال: «اعْلَمْ أَنَّ الوَسَطَ ، بالتَّحْرِيكِ: اسمٌ لِمَا بَيْنَ طَرَفَي الشَّيْءِ، و هُوَ مِنْهُ، كقَوْلِكَ: قَبَضْتُ وَسَطَ الحَبْلِ، و كَسَرْتُ وَسَطَ الرُّمْحِ، و جَلَسْتُ وَسَطَ الدّارِ، و مِنْهُ المَثَلُ: «يَرْتَعِي وَسَطاً و يَرْبِضُ حَجْرَةٍ» أَيْ يَرْتَعِي أَوْسَطَ المَرْعَى و خِيَارَهُ ما دامَ القَوْمُ في خَيْرٍ، فإِذا أَصابَهُمْ شَرُّ اعْتَزَلَهُمْ، و رَبَضَ حَجْرَةً، أَيْ ناحِيَةً مُنْعَزِلاً عنهم. و جاءَ الوَسَطُ مُحَرَّكاً أَوْسَطُه على وِزانٍ يقتضِيه [١] في المَعْنَى و هو الطَّرَفُ؛ لأَنَّ نَقِيضَ الشَّيْءِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ نَظِيرِه في كَثِيرٍ من الأَوْزَانِ، نَحْوُ: جَوْعَان و شَبْعان، و طَوِيلٍ و قَصِير. قال: و مِمّا جاءَ عَلَى وِزَانِ نَظِيرِهِ قَوْلُهم:
الحَرْدُ، لِأَنّه عَلَى وِزَانِ القَصْدِ، و الحَرَدُ لأَنَّهُ عَلَى وِزَانِ نَظِيرِهِ و هُوَ الغَضَبُ. يُقَالَ: حَرَدَ يَحْرِد حَرْداً، كما يُقَالُ:
قَصَدَ يَقْصِدُ قَصْداً. و يُقَالُ: حَرِدَ يَحْرَدُ حَرَداً كَما يُقَالُ:
غَضِبَ يَغْضَبُ غَضَباً. و قالُوا: العَجْمُ، لأَنَّهُ على وِزانِ العَضِّ، و قالُوا: العَجَمُ لِحَبّ الزَّبِيبِ و غَيْرِه، لأَنّهُ وِزَانُ النَّوَى. و قالُوا: الخِصْبُ و الجَدْب لِأَنَّ وِزَانَهُمَا العِلْمُ و الجَهْلُ، لِأَنَّ العِلْمَ يُحْيِي الناسَ كما يُحْيِيهِمُ الخِصْبُ.
و الجَهْلَ يُهلِكهم كما يُهْلِكُهم الجَدْبُ. و قالُوا المَنْسِرُ لِأَنَّهُ عَلَى وِزَانِ المَنْكِب. و قالوا: المِنْسَرُ، لِأَنَّهُ[على] [٢] وِزانَ المِخْلَبِ. و قالُوا: أَدْلَيْتُ الدَّلْوَ: إِذا أَرْسَلْتَها في البِئْرِ، و دَلَوْتُهَا: إِذا جَذَبْتَها، فجاءَ أَدْلَى على مثال أَرْسَلَ، و دَلاَ عَلَى مِثَالِ جَذَبَ قال: فبِهََذَا تَعْلَمُ صِحّةَ قَوْلِ مَنْ فَرَقَ بَيْنَ الضَّرِّ و الضُّرِّ، و لَمْ يَجْعَلْهُما بمَعْنًى، فقالَ الضَّرُّ: بإِزاءِ النَّفْعِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُهُ، و الضُّرُّ بإِزَاءِ السُّقْمِ الَّذِي هُوَ نَظِيرُهُ في المَعْنَى، و قالُوا: فَادَ يَفِيدُ، جاءَ عَلَى وزانِ مَاسَ يَمِيسُ، إِذا تَبَخْتَرَ، و قَالُوا: فادَ يَفُودُ على وِزَانِ نَظِيرِه، و هو ماتَ يَمُوتُ، و النَّفَاقُ في السُّوقِ جاءَ على وَزْنِ الكَسَادِ..
و النِّفاقُ في الرَّجُلِ جاءَ على وِزَانِ الخِدَاعِ. قالَ: و هََذا النَّحْوُ في كَلامِهِم كَثِيرٌ جِدًّا» .
قال: «و اعْلَمْ أَنَّ الوَسَطَ قَدْ يَأْتِي صِفَةً و إِنْ كانَ أَصْلُه أَنْ يَكُونَ اسْماً من جِهَةِ أَنَّ أَوْسَطَ الشَّيْءِ أَفْضَلُه و خِيَارُه، كوَسَطِ المَرْعَى خَيْرٌ مِنْ طَرَفَيْهِ، و كوَسَطِ المَرْعَى خَيْرٌ مِنْ طَرَفَيْهِ، و كوَسَطِ الدَّابَّة للرُّكُوبِ خَيْرٌ من طَرَفَيْهَا لِتَمَكُّنِ الرّاكِبِ. و منه ١٦- الحَدِيثُ : «خِيَارُ الأَمُورِ أَوْسَاطُها » . و قول الراجز:
إِذا رِكِبْتُ فاجْعَلانِي وَسَطَاً [٣]
فَلَمَّا كانَ وَسَطُ الشَّيْءِ أَفْضَلَهُ و أَعْدَلَهُ جازَ أَنْ يَقَعَ صفة، و ذََلِكَ مِثْلُ قَوْلِه تَعالَى: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [٤] أَيْ عَدْلاً، فهََذَا تَفْسِيرُ الوَسَطِ و حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ، و أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّيْءِ و هو مِنْهُ» .
أَو هُمَا فِيمَا هُوَ مُصْمَتٌ كالحَلْقَةِ مِنَ النَّاسِ [٥] و السُّبْحَةِ و العِقْدِ فإِذا كانَتْ أَجْزَاؤُه مُتَبَايِنَةً فبالإِسْكَانِ فَقَط ، و الَّذِي حُكِيَ عن ثَعْلَبٍ: وَسَطُ الشَّيْءِ بالفَتْحِ إِذا كَانَ مُصْمَتاً، فإِذا كانَ أَجْزَاءً مُتَخَلْخِلَةً فهُوَ وَسْطٌ ، بالإِسْكَانِ لا غَيْرُ، فتَأَمَّلْ.
أَو كُلُّ مَوْضِعٍ صَلَحَ فِيهِ بَيْنَ فهُوَ وَسْطٌ ، بالتَّسْكِينِ، و إِلاَّ فبِالتَّحْرِيكِ ، و هََذا نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ. قال: و رُبَّمَا سُكِّنَ و لَيْسَ بالوَجْهِ، كقوْلِ الشّاعِرِ، و هو أَعْصُرُ بنُ سَعْدِ بنِ قَيْسِ عَيْلانَ:
و قَالُوا يَالَ أَشْجَعَ يَوْم هَيْجٍ # و وَسْطَ الدّارِ ضَرْباً و احْتِمَايَاً
قال ابنُ بَرِّيّ: و أَمّا الوَسْطُ ، بسُكُونِ السِّين، فهُوَ ظَرْفٌ لا اسْمٌ، جَاءَ على وِزانِ نَظِيرِهِ في المَعْنَى و هُوَ بَيْنَ، تَقُولُ:
جَلَسْتُ وَسْطَ القَوْم، أَي بَيْنَهُمْ. و منه قَوْلُ أَبي الأَخْزَرِ الحِمّانيّ:
سَلّومَ لو أَصبَحْتِ وَسْطَ الأَعْجَمِ
أَي بَيْنَ الأَعْجَمِ.
و قال آخَرُ:
أَكْذَبُ من فاخِتَةٍ # تَقُولُ وَسْط الكَرَبِ
و الطَّلْعُ لَمْ يَبْدُ لَهَا # هَذا أَوانُ الرُّطَبِ
[١] في المطبوعة الكويتية «نقيضه» و المثبت كاللسان.
[٢] زيادة عن اللسان.
[٣] تقدم قريباً برواية:
إذا رحلت فاجعلوني وسطا.
[٤] سورة البقرة الآية ١٤٣.
[٥] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: كالحلقة من الناس و السبحة و العقد، فيه أن هذا ليس من المصمت بل من بائن الأجزاء، و أما المصمت فكالدار و الراحة و البقعة كما في اللسان عن أحمد بن يحيى» .