تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٣٦ - قرض قرض
و لا سَعَةٌ لِغَيْرِ مَن اجْتَمَعَ عَلَيه قَلْبُهُ. و في هََذِهِ مَنْ أَرادَ مِنْ صاحِبِه ما يَعْهُدُهُ منْهُ من المُؤانَسَةِ و المُذَاكَرَة فَقَدْ ظَلَمَهُ.
و أَمَّا قَبْضُ التَّفْرِقَةِ فَهُوَ الَّذِي يَحْصُلُ لِمَنْ تَفَرَّق قَلْبُه عَنِ اللََّه و تَشَتَّت في الشِّعاب و الأَوْدِيَة، فَأَقَلُّ عُقُوبَتِهِ ما يَجِدُه من القَبْضِ الَّذِي يَنْتَهِي معه المَوْتُ. و ثَمَّ قَبْضٌ آخَرُ خَصَّ اللََّه به ضَنَائنَ عِبَادِهِ و خَوَاصَّهم، و هُمْ ثَلاثُ فِرَقٍ. و تَحْقِيقُ هََذَا المَحَلِّ في كُتُبِ التَّصَوُّفِ، و في هََذا القَدْر كفَايَةٌ.
قربض [قربض]:
القُرُنْبُضَة ، بالضَّمِ ، أَهْمَلَه الجَوْهَرِيّ. و قال ابنُ دُرَيْدٍ: هي القَصِيرَةُ ، هََكَذَا نَقَلَهُ صاحبُ اللِّسَانِ و الصّاغَانِيّ في كِتَابَيْه، و كَأَنَّه يَعْنِي من النِّسَاءِ، كالقُنْبُضَةِ الّذِي أَوْرَدَه اللَّيْثُ و الجوْهَرِيّ و غَيْرُهُمَا، كما سَيَأْتِي.
قرض [قرض]:
قَرَضَهُ يَقْرِضُهُ قَرْضاً : قَطَعَهُ ، هََذا هو الأَصْلُ فيه، ثُمّ اسْتُعْمِلَ في قَطْع الفَأْرِ و السَّلَفِ و السَّيْرِ [١] ، و الشَّعْرِ، و المُجَازَاة، و يُقال: قَرَضَهُ قَرْضاً جَازَاهُ كقَارَضَهُ مُقَارَضَةً .
و من الأَخِير ١٧- قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ : «إِنْ قارَضْتَ الناسَ قَارَضُوكَ ، و إِنْ تَرَكْتَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوكَ، و إِنْ هَرَبْتَ مِنْهُمْ أَدْرَكُوكَ» . و قد سَبَقَ ذِكْرُ الحَدِيثِ في «ع ر ض» ، يَقُولُ: إِنْ فَعَلْتَ بِهم سُوءاً فَعَلُوا بِكَ مِثْلَهُ، و إِنْ تَرَكْتَهُمْ لَمْ تَسْلَمْ مِنْهُم و لم يَدَعُوكَ. و إِنْ سَبَبْتَهُمْ [٢] سَبُّوكَ، و نِلْتَ مِنْهُم و نَالُوا مِنْك.
ذَهَبَ به إِلَى القَوْلِ فِيهِمْ و الطَّعْن عَلَيْهِم، و هََذا من القَطْع.
و قَرَضَ الشِّعْرَ قَرْضاً : قالَهُ خاصَّةً، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ، و هو قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ. قال شَيْخُنا: و مَنْ قالَ: إِنَّ قَرْضَ الشِّعْر من قَرَضَ الشَّيْءَ، إِذا قَطَعَهُ، كالسَّيِّد قُدِّسَ سِرُّه في حَوَاشِيهِ على شَرْح «المِفْتَاح» ، فَقَدْ أَبْعَدَ، كما أَوْضَحْتُه في حاشِيَة المُخْتَصَرِ. انْتَهَى. قُلْتُ: لَمْ يُبْعِد السَّيِّدُ فِيمَا قالَهُ فَإِنَّ القَرْضَ أَصْلُهُ في القَطْعِ، ثم تُفرَّعُ عليه المَعَانِي كُلُّهَا بحَسَبِ المَرَاتِبِ، و يَشْهَدُ لِذََلِكَ قَوْلُ الصَّاغَانِيّ في العُبَابِ، و التَّرْكِيبُ يَدُلُّ على القَطْعِ، و كذََلِكَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ: القَرْضُ في أَشْيَاءَ، فَذَكَرَ فِيهَا قَرْضَ الفَأْر و سَيْر البِلادِ و قَرْضَ الشِّعْر و السَّلف و المُجَازاةِ فإِذا شُبِّه الشِّعْرُ بالثّوبِ، و جُعِلَ الشاعِرُ كَأَنَّهُ يَقْرِضُهُ ، أَي يَقْطَعُهُ و يُفَضِّلُه و يُجَزِّئهُ، فأَيّ بُعْدٍ فيه؟، فَتَأَمَّلْ، قال شَيخُنَا ثُمَّ ظاهِرُ المُصَنِّفِ كالصّحاح و غَيْرِهِ أَنّ قَرْضَ الشّعر هو قَوْلُهُ. و الَّذِي ذَكَرَهُ أَئِمَّةُ الأَدَبِ، كحَازِمٍ و غَيْرِهِ أَنَّ قَرْضَ الشِّعْرِ هو نَقْدُه و مَعْرِفَةُ جَيِّدِه مِنْ رَدِيئهِ قَوْلاً و نَظَراً. قُلْتُ: هََذا الَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُنَا عن أَئمَّةِ الأَدَبِ إِنَّمَا هُوَ في التَّقْرِيضِ دُونَ القَرْضِ ، كما سَيَأْتِي، فَتَأَمَّلْ.
و مِنَ المَجَاز: جَاءَنَا و قَدْ قَرَضَ رِبَاطَه ، ذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ هََذَا اللَّفْظَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: قَرَضْتُ الشَّيْءَ أَقْرِضُهُ بالكَسْرِ قَرْضاً : قَطعْتُه، ثم قالَ؛ يُقَالُ: جَاءَ فُلانٌ و قد قَرَضَ رِبَاطَهُ و الفَأْرَةُ تَقْرِضُ الثَّوْبَ، هََذا سِيَاقُ كَلامِه فَهََذَا يَدُلّ على أَنَّه أَرادَ بِقَوْلِهِ قَرَضَ رِبَاطَه تَبْيِينَ [٣] القَرْضِ بمَعْنَى القَطْعِ و تَأْكِيدَه، و لَيْسَ كَذََلِكَ، بَلْ مَعْنَاهُ كما قَالَه ابنُ الأَعْرابِيّ، أَيْ مَاتَ و الرِّباطُ: رِباطُ القَلْبِ، و مَنْ قُطِعَ رِباطُ قَلْبِه فَقَدْ هَلَك. أَو مَعْنَاهُ: إِذا جَاءَ مَجْهُوداً و قَدْ أَشْرَفَ عَلَى المَوْتِ .
و هو قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ، كما نَقَلَهُ الأَزْهَرِيّ. و قال غَيْرُهُ: أَي جَاءَ في شِدَّةِ العَطَشِ و الجُوعِ.
و قَرَضَ في سَيْرِه يَقْرِضُ قَرْضاً : عَدَل يَمْنَةً و يَسْرَةً و قال الجَوْهَرِيُّ: و يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبهِ: هلْ مَررْت بِمَكَانِ كذا و كَذَا، فيَقُولُ المسْؤُول: قَرَضْتُهُ ذاتَ اليمِينِ لَيْلاً. يُقَالُ:
قَرضَ المَكانَ يَقْرِضُهُ قَرْضاً : عَدَلَ عنه و تَنَكَّبَهُ ، و أَنْشَدَ لِذِي الرُّمَّة:
إِلى ظُعُنٍ يقْرِضْنَ أَجْوازَ مُشْرِفٍ # شِمالاً و عنْ أَيْمَانِهِنَّ الفَوَارِسُ [٤]
و مُشْرِفٌ و الفَوارِسُ مَوْضِعان. يقُول: نَظَرْتُ إِلى ظُعُنٍ يَجُزْنَ بَيْنَ هََذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ. انْتَهَى.
و قال الفَرّاء: العَرَبُ تَقُولُ: قَرضْتُهُ ذَاتَ اليَمَينِ، و قَرَضْتُه ذَاتَ الشِّمالِ، و قُبُلاً، و دُبُراً، أَي كُنْت بِحِذائِه من كُلِّ ناحِيَةٍ.
و قَرَضَ الرَّجُلُ: مَاتَ ، هََكَذا نَقَلَهُ الجوْهَرِيّ، كقَرِضَ ، بالكَسْرِ ، و هََذِه عن ابنِ الأَعْرَابِيّ. و قد جَمعَ بيْنَهُما الصَّاغَانِيُّ في العُبَاب، و نَبَّه عليْه في التَّكْمِلَة أَيْضاً.
[١] الأصل «السفر» و المثبت مقتبس من عبارة اللسان، و قول أبي عبيد و سير البلاد، كما سيأتي قريباً.
[٢] في النهاية و التهذيب: «ساببتهم» .
[٣] عن التكملة و بالأصل «تبين» .
[٤] رواية عجزه في التهذيب:
يميناً و عن أيسارهن الفوارس.