المستند في شرح العروة الوثقى - ط دار المؤرخ العربي - البروجردي، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢١٢
وشرب))[١]، ونحوهما غيرها.
قال
سيدنا الأستاذ (دام ظله): وإنّي لأستغرب جداً من صاحب الجواهر قدس سره،
حيث إنّه مع التفاته وروايته لبعض هذه الروايات المعارضة كيف أعرض عنها ولم
يعتنِ بشأنها وعوّل على نصوص الجواز، برغم أنّ النافر يخرج من منى ولا
يبقى فيه هذا اليوم، وقد دلّ النص والفتوى على أنّ المحرم إنما هو صوم أيام
التشريق لمن أقام بمنى لا مطلقاً[٢].
إذ
ليت شعري لو تمّ هذا لعمّ ولم يختص بصوم بدل الهدي، مع أنّ الموضوع في
النصوص الناهية هو من كان بمنى، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الارتحال
منها خلال النهار وعدمه، لا سيما بعد وضوح أنّ أكثر الحجّاج يخرجون وينفرون
في اليوم الثاني عشر، ومع ذلك فقد نهاهم صلى الله عليه وآله عن الصوم ما
داموا فيها بمقتضى النصوص المزبورة.
فتحصل: أنّ ما عليه المشهور من لزوم تأخير الصيام إلى ما بعد الرجوع من منى هو الصواب والرأي السديد الحقيق بالقبول.
ثمّ
لا يخفى أنّ محل الكلام في جواز صوم يوم النفر إنما هو لمن كان بمنى، أما
من كان في مكّة كما لو نفر يوم الثاني عشر فكان يوم الثالث عشر الذي هو
النفر الثاني في مكّة فلا كلام ولا إشكال في جواز صومه، وإن كان هو من أيام
التشريق، لما عرفت من اختصاص النهي الوارد في النصوص بمن كان في منى
بقرينة التعليل بأنّها أيام أكل وشرب.
فما نسب إلى الشيخ في النهاية
والمبسوط من أنّه لو كان بمكّة لا يصومها لعموم النهي عنه غير واضح، ويحتمل
بعيداً أنّه يريد من مكّة توابعها وهي منى.
وكيفما كان فقد ظهر مما مر
أنّ يوم الحصبة الذي حكم في جملة من النصوص بجواز الصوم فيه إن أريد به ما
بعد يوم النفر كما استظهرناه فلا إشكال، لجواز الصوم في غير منى، وإن كان
من أيام التشريق كما عرفت آنفاً.
وإن أريد به يوم النفر كما هو المترائى من صحيحتي حماد والعيص فهو
[١] وسائل الشيعة: باب ٢ من أبوابالصوم المحرم، ح٢ و ح١٠.
[٢]جواهر الكلام: ج١٩ ص١٧٦.
٢١٣معارض بما تقدم فلاحظ.
ولمزيد التوضيح في المقام وإشباع الكلام فيه نقول: إنّ النصوص الواردة في محل البحث المتضمنة للصوم يوم الحصبة على طوائف ثلاث:
إحداها: ما دلّ على أنّه اليوم الرابع عشر كصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج[١]، حيث إنّها واضحة الدلالة على أنّ الحصبة هو ما بعد أيام التشريق، كيف ولو كان هو اليوم الثالث لاشترك مع مقالة عبد الله بن الحسن من تجويز صيام هذه الأيام، مع أنّه عليه السلام قد طعن ومنع عن ذلك.
وهذا ما عليه كافة اللغويين، وقد استشهد في مجمع البحرين بما يقرب من هذه الرواية حسبما مر.
ثانيتها: ما تضمن الأمر بصوم يوم الحصبة من غير تعرض لتفسيرها كصحيحة معاوية بن عمار[٢] وصحيحة رفاعة بطريق الشيخ[٣].
فإن حملت على ما دلت عليه صحيحة ابن الحجّاج المتقدمة من إرادة اليوم الرابع عشر فلا كلام.
وأما لو حملت على ما عليه جماعة من الفقهاء من إرادة اليوم الثالث عشر، فلا دلالة فيها على جواز صوم هذا اليوم حتى لمن كان بمنى إلا بالإطلاق، لجواز أن يكون المراد الصوم فيه بمكّة بعد النفر الأول المستوجب
للخروج حينئذٍ عن محل البحث، ضرورة اختصاص الصوم الممنوع أيام التشريق بمن كان بمنى كما سبق.
وعليه فتقع المعارضة بين هذا الإطلاق وبين عموم ما تضمن المنع عن صوم هذه الثلاثة في أيام التشريق.
[١] وسائل الشيعة: باب ٥١ من أبواب الذبح، ح٤.
[٢] وسائل الشيعة: باب ٤٦ من أبواب الذبح، ح٤.
[٣] وسائل الشيعة: باب ٥٣ من أبوابالذبح، ح٢.
٢١٤وحينئذٍ فإن قلنا بأنّ العموم المزبور وضعي كما ادعاه بعضهم من أنّ الجمع المضاف يدل على العموم بالوضع قدم العام على المطلق لوضوح أنّ ما بالوضع يتقدم على ما بالإطلاق كما حرر في الأصول فيحمل الإطلاق المزبور على صيام يوم الحصبة في مكّة بعد النفر الأول.
وإن أنكرنا الوضع فيه وقلنا بأنّ العموم أيضاً مستفاد من الإطلاق ومقدمات الحكمة، غايته أنّ هذا إطلاق شمولي وذاك بدلي.
فحينئذٍ إن بنينا على تقدم الإطلاق الشمولي على البدلي كما عليه شيخنا الأستاذ قدس سره فالأمر أيضاً كذلك.
وإن منعنا عنه كما هو الأظهر لعدم الموجب للتقديم بعد اشتراكهما في الافتقار إلى مقدمات الحكمة حسبما أوضحناه في محله فلا جرم يتعارض الإطلاقان ويكون المرجع بعد التساقط عمومات الفوق، أعني المانعة عن مطلق الصيام في أيام التشريق من غير اختصاص بثلاثة الهدي.
إذاً فلا يمكن الاستدلال بهذه الطائفة على جواز صوم اليوم الثالث عشر.
الطائفة الثالثة: ما تضمنت تفسير الحصبة بيوم النفر،
كصحيحة العيص وصحيحتي حماد المتقدمات[١].
ولكنها معارضة بالطائفة الأولى، حيث عرفت أنّ صحيحة ابن الحجّاج صريحة في أنّ يوم الحصبة هو اليوم الرابع عشر لا يوم النفر، والتقديم مع تلك لموافقتها مع قول اللغويين اجمع وعدم ثبوت وضع جديد من المتشرعة للفظ
[١]وسائل الشيعة: باب ٤٦ من أبواب الذبح، ح٣ و ح١٤ و باب ٥٣ من أبواب الذبح، ح٣.