المستند في شرح العروة الوثقى - ط دار المؤرخ العربي - البروجردي، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢٤ - أحكام السعي
على
الاستنابة، بحيث تكون هي في طوله وفي مرتبة متأخرة عنه، أما العكس بأن يكون
الواجب أولاً هو الاستنابة، وعلى تقدير العجز عنها يجب السعي بنفسه فغير
محتمل بالضرورة.
هذا، ويمكن تحرير أصل المطلب وتقريبه بوجه آخر أوضح،
بأن يقال إطلاق الأمر في كل واجب نفسي ظاهر في الوجوب التعييني ما لم تتم
قرينة على الخلاف تسوغ الاجتزاء بعدل آخر كما حقق في الأصول.
وعليه:
فمتى ورد أمران في موضوع واحد فإن احتمل تعدد التكليف لم يكن بدّ من الأخذ
بإطلاق كل منهما والالتزام بثبوت حكمين في موضوع واحد، كما لو دلّ دليل على
وجوب الدية في القتل الخطائي، ودليل آخر على وجوب الكفارة، أو دل دليل على
وجوب القضاء في السجدة المنسية مثلاً وآخر على وجوب سجود السهو لها، فإنّه
يلتزم حينئذٍ بثبوت كلا الحكمين تعييناً عملاً بإطلاق الدليلين، وهذا
واضح.
وأما إذا لم يحتمل التعدد فعلمنا من الخارج وحدة المطلوب، وأنّه
لم يكن في البين ما عدا تكليف واحد كالأمر بالظهر في دليل وبالجمعة في دليل
آخر، أو بالقصر تارة وبالإتمام أخرى وهكذا مما لم يحتمل فيه وجوب الأمرين
معاً بل الواجب إما هذا أو ذاك، فحينئذٍ يقع التعارض بين الدليلين لا
محالة، غير أنّ مورد المعارضة إنما هو إطلاق الوجوب لا نفسه، ضرورة عدم
المنافاة بين أصل الوجوبين، وإنما التنافي نشأ من ظهور كل منهما في
التعيينية بمقتضى أصالة الإطلاق، وحيث لا ترجيح بينهما فلا جرم يرفع اليد
عن ظهور كل منهما في الإطلاق بصراحة الآخر في جواز الاجتزاء به، وبعد
ارتكاب التقييد من الجانبين يستنتج الوجوب التخييري بطبيعة الحال، وهذا نوع
من الجمع العرفي مطابق لمقتضى القاعدة قد اعتمدنا عليه في كثير من
المقامات مما تقدم في مطاوي هذا الشرح.