شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٢٨ - الشرح
يستقبل؟ قال: بل فيما جفت به الاقلام و جرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، و كل عامل بعمله منبه على ما قلناه، فان النبي ٦ علقهم بين الامرين رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم فى العمل و لم يترك احد الامرين للآخر فقال: كل ميسر لما خلق له، يريد انه ميسر فى ايام حياته للعمل الّذي سبق إليه القدر قبل وجوده، الا انك يجب ان تعلم الفرق بين الميسر و المسخر كيلا تغرق فى لجة القضاء و القدر و كذا القول فى باب الرزق و الكسب.
و الحاصل: ان الاسباب و الوسائط و الروابط معتبرة فى جميع امور هذا العالم، و من جملة الوسائط و الوسائل فى قضاء الاوطار الدعاء و الالتماس كما فى الشاهد، فلعل اللّه سبحانه قد جعل دعاء العبد سببا لبعض مناجحه[١]، فاذا كان كذلك فلا بد ان يدعو حتى يصل الى مطلوبه، و لم يكن شيء من ذلك خارجا عن قانون القضاء السابق[٢] و ناسخا للكتاب المسطور، انتهى كلامه.
و اما قوله: الاشتغال بالدعاء ينافى الرضاء بالقضاء الّذي هو اجل مقامات الصديقين فالجواب: انه انما ينافيه لو كان لاجل حظوظ النفس، و اما اذا كان الداعى عارفا باللّه عالما بانه لا يفعل الا ما وافق مشيته[٣] و دعا امتثالا لامر مولاه فى قوله: ادْعُونِي و نحوه من غير ان يكون فى دعائه حظ من حظوظ نفسه فلا منافاة بينهما. و اما قوله: الدعاء شبيه بالامر و النهى ففى غاية الركاكة، فان صيغة افعل و لا تفعل مشتركة بين الطلب على صفة الاستعلاء و التسلط فيقال لها الامر و النهى و بين ما يكون على هيئة الخضوع و التسفل فيقال لها الدعاء.
فلا شك ان الدعاء اظهار الذل و الانكسار و الاقرار بسمة العجز و الافتقار و تصحيح نسبة العبودية و الانغماس فى غمرات النقصان الامكانى و الاملاس[٤] عن الترفع
[١] اى حوائجه.
[٢] بل هذا الدعاء أيضا من القضاء.
[٣] و مشيته مطابقة لاقتضاء الاعيان الثابتة.
[٤] اى تخلص و افلت- و ملس الرجل بلسانه: داهنه و تملقه.