شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٧١ - الشرح
و البعث و ما بعدهما بقلب سليم و سر صحيح و نفس خاشعة للّه تعالى صابرة على بلائه شاكرة لنعمائه، و عقل عارف به عاشق لحضرته طالب لما عنده من النعيم المقيم و السرور الدائم، و الحضور فى الجنان و الروح و الريحان و الرحمة و الرضوان.
فاذا حصل له ذلك عرف حقيقة ما هو فيه الآن و ماهية هذه النشأة و عرف العلة التى بها هبط الى هذا المنزل الادنى الّذي وقع فيه، و عرف انه من اى مرتبة و عالم اتى الى هذا العالم الّذي هو فيه اليوم، و الى اى مقام و مصير سيرجع من هذا العالم، ففى ما ذكره اشارة الى العلم باحوال المبدأ و المعاد و ما بينهما و النظر إليها حق النظر و الاعتبار على طبق ما روى عن امير المؤمنين ٧ حيث قال: رحم اللّه امرئ اعد لنفسه و استعد لرمسه و علم من اين و فى اين و الى اين.
فالاول اشارة الى معرفة الاول تعالى و ملائكته و رسله و كتبه، و الثانى اشارة الى معرفة النفس و كيفية كونها فى هذه النشأة و معرفة عبوديتها و افتقارها و كيفية سلوكها منهج النجاة و صراط الآخرة، و الثالث اشارة الى العلم باحوال المعاد و منازلها من القبر و البرزخ و الصراط و الميزان و الكتاب و الحساب و العرض و الجنة و النار، و معرفة ذلك كله من تأييد العقل، اى من العقل المنور ذاته بنور العلم و البصيرة، اذ بذلك النور يخرج ذاته من النقص و القصور و يسعى الى اللّه بقدمى الايمان و العبودية و يطير بجناحيه العلمى و العملى الى فضاء عالم القرب و الشهود.
اعلم ان اهل الدين طائفتان: الواقفون و السائرون، فالواقف من لزم عتبة الصورة و لم ينفتح له باب الى عالم المعنى و الملكوت، فهو من اهل التقليد فيكون مشربه من عالم المعاملات البدنية فلا سبيل له الى عالم العقل و معاملاته فهو محبوس فى قيد الصورة، و عليه ملكان موكلان يكتبان عليه من اعماله الظاهرة بالنقير و القطمير، و السائرون هم المسافرون من عالم الصورة الى عالم المعنى و من مضيق المحسوسات الى متسع المعقولات و هم صنفان:
ساير و طيار، فالسيار من يسير بقدمى الشرع و العقل على جادة الآخرة و سبيل الجنان، و الطيار من يطير بجناحى العرفان و العشق فى فضاء الحقيقة الى عالم الربوبية