شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٢٠ - الشرح
و الارض، و جلال خالقها و مدبرها و هو بعد فى الدنيا اكثر من رغبته فى المأكول الهنىء[١] و المنكوح الشهى و الملبوس البهى؟
فكيف فى الآخرة التى يصير فيها العلم عينا و المعرفة مشاهدة و التخييل ابصارا! ثم كيف لا يكون هذه السعادة اعظم من لذة البطن و الفرج، و الرغبة إليها اغلب على العارف البصير و هى مشاركة للملائكة فى الفردوس الاعلى و حظيرة القدس! اذ لاحظ للملائكة فى المطعم و المشرب و المنكح و لعل تمتع البهائم بالمنكح و المطعم و المشرب ازيد من تمتع الانسان.
فان كنت ترى مشاركة البهائم فى لذاتها احق بالطلب و الرغبة من مشاركة الملاء الاعلى فى فرحهم و سرورهم بمطالعة جمال الحضرة الربوبية فما اشد جهلك و غبنك و ما اخس همتك؟ و قيمتك على قدر همتك.
فالعارفون لما رزقوا شهوة المعرفة و لذة النظر الى جلال اللّه تعالى، فهم من مطالعتهم جمال الحضرة الربوبية فى جنة عرضها السموات و الارض لا بل هى اكبر و اوسع و أدوم و ابقى.
و العارفون ينظرون الى العاكفين فى حضيض الشهوات الحسية نظر العقلاء الى الصبيان عند عكوفهم على لذة اللعب، و لذلك تراهم يستوحشون من الخلق و يؤثرون العزلة و الخلوة لذكر اللّه و هو احب الاشياء إليهم و يهربون من الجاه و المال علما بانها تشغلهم عن لذة المناجاة و يعرضون عن اهلهم و اولادهم ترفعا عن الاشتغال بهم عن ذكر اللّه تعالى، و ترى الناس يضحكون عليهم و يسخرون منهم و ينسبون حالهم الى السفه و الجنون و هم اعقل الناس، و هم أيضا يضحكون على الناس بقناعتهم بمتاع الدنيا الفانية و يقولون: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (هود- ٣٨ و ٣٩).
فالعارف مشتغل بتهيئة سفينة النجاة لنفسه و لغيره لعلمه بخطر المعاد، فيضحك على اهل الغفلة ضحك العاقل على الصبيان اذا اشتغلوا باللعب بالصولجان، فالعجب ممن يشتغل و يقنع عن النظر الى جلال الحضرة الربوبية الى اللذات الباطلة و الشهوات
[١] اى: السائغ.