شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٣ - المشهد الحادى و العشرون فى تتمة صفات العقلاء الكاملين و خصائص افعالهم و ما يترشح من انوار عقولهم و اسرارهم الى ظاهر الخلق
«فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء» بان يكون واحدة منها ملكة له لا انه يصدر عنه اتفاقا «فهو احمق» لكونه فاقدا لفضيلة العقل «ان امير المؤمنين ٧ قال: لا يجلس فى صدر المجلس الا رجل فيه هذه الخصال الثلاث او واحدة منهن، فمن لم يكن فيه شيء منهن فجلس» اى فى الصدر «فهو احمق» و جلوسه فى الصدر مع خلوه عن هذه الخصال مطلقا هو دليل حمقه المضاعف.
«و قال الحسن بن على ٨: اذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من اهلها» اى اهل اعطائها، لان فوت الحاجة اولى و اهون من طلبها عن غير اهلها «قيل: يا ابن رسول اللّه و من اهلها؟ قال: الذين قص اللّه» اى عنهم، «فى كتابه و ذكرهم فقال: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ*» (الرعد- ١٩)، قال: اى الحسن بن على ٨ تفسيرا لاولى الالباب «هم أولو العقول» فدل الكلام على فضيلة العاقل من ان السؤال لطلب حاجة علمية او مالية او غيرهما لا يجوز الا عن العقلاء لا عن غيرهم لعدم اهليته.
ثم اعلم: ان جماعة من المتصوفة الرسمية لقصور علمهم و ذهولهم عن فضيلة الكمال الحقيقى الجمعى الانسانى و مظهرية الاسماء الالهية آثروا العزلة عن الناس و الانقطاع عنهم الى المكان الخالى على المعاشرة معهم و المؤانسة بهم، زعما منهم ان ذلك ادخل فى طلب الكمال و التوجه الى عالم الملكوت الاعلى و التقرب إليه تعالى، بل ربما ذهب كثير منهم الذين نصبوا انفسهم منزل الارشاد و التعليم الى عزل القوى الادراكية و سد ابواب المشاعر جملة و منع الصور الادراكية التى هى امثلة الاعيان الخارجية عن ورودها الى تلك المشاعر، و توهموا ان ذلك هو المعد لهم للتوجه نحو المبدأ الفياض و الممد اياهم لانتهاج الطريقة المثلى صوب المقصد الاقصى، و كلا القولين زيغ عن الصواب و عدول عن منهج اولى الالباب.
اما عزل الحواس و تعطيل القوى الدراكة عما خلقت لاجله فلا يخفى على ذوى البصائر ان ذلك يسد باب العلم، لان العلم الانسانى انما يكتسب أولا من جهة المحسوسات و مشاركاتها و مبايناتها فينشأ منها المعرفات و الحدود ثم الحجج و البراهين، و لهذا قيل: من فقد حسا فقد علما، و لان هذه القوى الادراكية كالاجنحة للعقل الانسانى