شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٦ - المشهد التاسع فى مدح القلة بمعنى ان الممدوح من الناس و هو العاقل عقلا بالفعل فى اصطلاح الحكمة، و المؤمن الحقيقى فى لسان الشريعة قليل
قلنا: كلا اللفظين جائز، و التقدير: و ما آمن معه الا عدد قليل. قال الفخر- الرازى: و اما الّذي روى ان ابليس دخل السفينة فبعيد لانه من الجن و هو جسم نارى.
اقول: لعل دخوله فيها لم يكن للخلاص عن الغرق بل لعلمه الّذي عليه من الوسوسة، و الانسان اينما كان لا ينفك عنه ما دام فى الدنيا، و اما قوله تعالى: وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ* و القرينتين بعده[١] فهو للدلالة على ان اهل العلم اليقينى و الايمان القلبى و العقل التام الّذي هو العقل بالفعل يكون قليلا بالقياس الى الجهال و الكفار.
و قوله: و لكن اكثرهم لا يشعرون، ادل فى الدلالة على قلة اهل العقل و العلم من القولين الاولين، لان نفى الشعور الّذي هو العام يستلزم نفى العلم و العقل الّذي هو الخاص على ابلغ وجه و اكده، و مما يدل على كون المؤمن الحقيقى فى غاية الندرة و العزة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، (البينة- ٧) لانه دل بمفهومه على ان المؤمن خير من الملائكة و لا شبهة فى ان الافضل من الملائكة المقربين يكون قليل الوجود فى الناس.
فان قلت: كذلك قال تعالى فى مقابله الّذي هو الكافر: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (البينة- ٦).
قلت الجواب بوجهين:
اما أولا: فلا استبعاد فى كون المخلوق من الماء و التراب كان بسبب كفره شر خلق اللّه، و لكن العجيب صيرورة المتكون من النطفة و الطين بسبب ايمانه خير خلق اللّه و خيرا من الملك المقرب.
و أما ثانيا: فلعل المراد منهم ضرب من الكفرة و هم الجاحدون المصرون على الكفر و النفاق، اذا لجهل اذا صار مشفوعا بالعناد مركبا بالاصرار كان شر الصفات الذميمة، و صاحبه ابعد خلق اللّه عن قبول الرحمة و مثله قليل الوقوع لكونه فى الجانب الضد.
مثال ذلك: السواد ضد البياض فهو مقابل له تقابل التضاد، و كل ما هو غير البياض كالسواد و الحركة و الطعم و كل ما فى الكون أيضا مقابل البياض و لكن تقابل السلب
[١] اى: اكثرهم لا يعقلون- و لا يشعرون.