شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٤ - المشهد التاسع فى مدح القلة بمعنى ان الممدوح من الناس و هو العاقل عقلا بالفعل فى اصطلاح الحكمة، و المؤمن الحقيقى فى لسان الشريعة قليل
اما قوله تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ، فان الشكر ليس معناه قول القائل:
الشكر للّه او ما يجرى مجراه، بل عبارة عن صرف العبد جميع ما انعمه اللّه عليه فيما خلق لاجله، و هذا مرتبة عظيمة اذ يندرج فيه العلم باللّه و صفاته و افعاله، و ان النعم و الخيرات كلها صادرة منه و يندرج فيه العلم بالقيامة و النشأة الاخرى للنفس و رجوعها الى اللّه، ثم العمل بمقتضى العلم و المجاهدة مع القوى الامارة بالسوء فى طريق السير الى اللّه و تهذيب الاخلاق و السياسات المدنية و غير ذلك مما يطول شرحه، و لذلك كان الشكر من المقامات العالية القليلة الوقوع فى العباد كما قال: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.
و حكى عن ابليس انه قال: وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (الاعراف- ١٧)، يعنى المؤمنين بالحقيقة، و اما قوله تعالى: وَ قَلِيلٌ ما هُمْ، فانه لما وقع بعد قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ، دل صريحا على ان المؤمن العامل بمقتضى ايمانه القلبى لا لاجل شيء اخر ليس فى العالم الا قليلا، و سبب القلة بعد ما اشرنا إليه من انه امر عظيم الرتبة يصل به الانسان الى مراتب الملائكة المقربين.
و الفطرة البشرية قاصرة عن ان يبلغ الى هذه المرتبة الا بموهبة خاصة من قبل اللّه لبعض الصفوة من عباده، لان الدواعى الى الدنيا كثيرة، و هى الحواس الظاهرة و الباطنة و هى عشرة، و الشهوة و الغضب و القوى الطبيعية السبعة و المجموع تسعة عشر، و كلها واقفة على باب جهنم الطبيعة البدنية التى هى كأنها شعلة من نار السعير و كلها تدعوا القلب الى الدنيا و اللذات الحسية.
و اما الداعى الى الحق و الدين فليس الا العقل الخالص عن هذه الشوائب، و قد علمت ان العقل ليس عقلا الا بعد ان خرج بنور المعرفة و اليقين من القوة الى الفعل، و ذلك يتوقف على تكرر الادراكات الحقة و الاعمال الصالحة المتوقفة أيضا على نور الايمان و الحكمة، فالامر هاهنا بمنزلة توقف الشيء على نفسه لو لا ان اللّه تعالى انعم على من يشاء من عباده المكرمين و احسن إليه بنور الحكمة و الايمان، و الا لكان تحصيله بالكسب مستحيلا لانه يفضى الى الدور.