شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٢ - المشهد الثامن فى ان المذموم من افراد الناس كثير و ان اكثر الناس من اهل الحجاب عن الحق و الضلال و البعد عن الرحمة فى المآل، لاستغراقهم فى بحر الدنيا و الشهوات و توغلهم فى الامور الباطلة و الجهالات، الا من رحمة الله و اخرجه الى النور من الظلمات
و فى قوله وجهان:
احدهما: ما مر من ان الاكثر مذموم العاقبة و ان جنس الحمد مختص باللّه و بمن اراده من خلص عباده المتقين.
و الثانى: ان اللّه لما ذكر دلائل انعامه و اسباب رزق الخلائق من خلق السموات و الارض و انزال الماء من السماء و غير ذلك من الاسباب الفاعلية و القابلية و انه المنعم بالحقيقة فاشار الى ان اكثر الناس لا يعقلون ان المنعم الحقيقى هو اللّه و ان الحمد على النعمة لا يستحقه الا هو.
فان هذا العلم موقوف على العلم بتوحيد الافعال و ان لا مؤثر فى الوجود الا اللّه كما هو مذهب الحكماء الربانيين، و ذكر العلامة الطوسى طاب ثراه ان هذا[١] متفق عليه بين الحكماء و إليه ذهب بعض اتباع الرواقيين.
منهم كصاحب حكمة الاشراق قال على قاعدة الاشراق: و كما ان النور القوى لا يمكن النور الضعيف فالقوة القاهرة الواجبية لا يمكن الوسائط لشدة اشراقه فليس شأن ليس فيه شأنه.
و اما الاشعرية فانهم و ان قالوا و ادعوا هذا العلم و لكنهم ما عرفوه اصلا و سد اللّه عليهم طريق معرفته و لا يمكن فتح هذا الباب على قلوبهم، لانهم نظروا الى الاشياء بالعين العوراء و عزلوا الاسباب التى وضعها اللّه و أساءوا الادب مع اللّه كما بيناه، و هذا علم غامض شريف و لاجل ذلك ورد فى الحديث: ان ثواب التحميد اكثر من ثواب التهليل و التسبيح و ان الحمد للّه ملاء الميزان، فرب عالم بتوحيد اللّه و نفى الشريك عنه غير عالم بكونه مسبحا مقدسا عن التغير و التجسم كالحنابلة و من يحذو حذوهم.
ثم رب عالم مؤمن بتوحيده و تقديسه و تجرده عن الجسمية و النقائص الامكانية و هو غير عارف بتوحيد الافعال و انه هو المنعم بالحقيقة و ان المحامد كلها راجعة إليه و لهذا قال: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ.
[١] اى ان لا مؤثر فى الوجود الا اللّه.