شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٤١ - المشهد الثامن فى ان المذموم من افراد الناس كثير و ان اكثر الناس من اهل الحجاب عن الحق و الضلال و البعد عن الرحمة فى المآل، لاستغراقهم فى بحر الدنيا و الشهوات و توغلهم فى الامور الباطلة و الجهالات، الا من رحمة الله و اخرجه الى النور من الظلمات
دلت بحسب المفهوم على ان اكثر الناس يقولون ما لا يعلمون و انهم لا يؤمنون باللّه قلبا و اعتقادا بل لسانا و اعترافا، و ذلك لان كونه تعالى خالق السموات و الارض مسألة نظرية لا تعلم الا بمقدمات علمية و اكثر الناس بمعزل عن ادراكها، و لا شك ان من ادعى قولا لم يعلمه عد سفيها مذموما، فالاكثر داخلون فى هذه المذمة، فالحمد راجع الى اللّه و لمن اتاه من لدنه علما.
قوله ٧: «و قال: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» (العنكبوت- ٦٣).
قال اهل التفسير: انه لما بين اللّه تعالى فيما سبق من آيات التوحيد للمشرك مخاطبا اياه و لم ينتفع به اعرض عنه و خاطب المؤمن بقوله: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا، و اتم الكلام معه و ذكر ما يكون تنبيها على قصور عقله و قبح ما هو عليه و هذا طريق حسن فى الارشاد، فان السيد اذا كان له عبدان او ولدان و احدهما رشيد و الاخر مفسد ينصح أوّلا المفسد فان لم يسمع يقول معرضا عنه ملتفتا الى الرشيد: ان هذا لا يستحق الخطاب فاسمع انت و لا تكن مثله.
فيتضمن هذا الكلام نصيحة المصلح و زجر المفسد، فان قوله: هذا لا يستحق الخطاب، يوجب نكاية فى قلبه، ثم اذا ذكر مع المصلح فى اثناء الكلام و المفسد يسمعه:
ان هذا اخاك العجب منه انه يعلم قبح فعله و يعرف الفساد من الصلاح و سبيل الرشاد ثم يعمل بضده، و يكون هذا الكلام أيضا داعيا له الى سبيل الرشاد مانعا له من ذلك الفساد، فكذلك قال اللّه تعالى مع المؤمنين العجب منهم: لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، و لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ (مِنْ بَعْدِ مَوْتِها) لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ثم لا يؤمنون، هذا ما ذكروه.
اقول: الّذي يستفاد من كلامه ٧ ان المراد التنبيه على شرف العقل و عظم قدر الايمان الحقيقى و انه فى غاية العزة و الندرة و ان اكثر الناس قاصرون عن دركه لقصور عقلهم، فان امور الدنيا لا يتمشى الا بوجود النفوس القاسية و الطبائع الغليظة و عملة الدنيا و عمارها مع ان الغاية فى خلقهم و تعمير الدنيا بهم هى وجود اهل العقل و العرفان