شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٢١ - المشهد الرابع فى الموعظة الحسنة و الترغيب فى الآخرة و التزهيد عن الدنيا و لذاتها
ايمانك؟ قال: عزفت[١] نفسى عن الدنيا فاستوى عندى حجرها و ذهبها، فكأنى بالجنة و النار و كأنى بعرش ربى بارزا، فقال ٦ عرفت فالزم عبد[٢] نور الايمان قلبه هذا مضمونه. و قد روى بلفظ اخر اطول كما فى هذا الكتاب.
و للزهد درجات مختلفة قوة و ضعفا حسب درجات الاقسام بالقياس الى نفسه و الى المرغوب عنه و الى المرغوب فيه ليس هاهنا موضع تلك التفاصيل و الدرجات فى الاقسام، و ان مهل اللّه فى الاجل نرجع إليه فى باب ذم الدنيا.
و اعلم ان البرهان على كون الدنيا و ما فيها فانية لا بقاء لها هو ان هذا الكون اعنى الوجود الطبيعى المادى كون ناقص مكانا و زمانا، اما الاول فلان كل جسم مادى له اجزاء خارجية او وهمية و كل منها غائب معدوم عن صاحبه و بالعكس، و الكل ليس الا جميع اجزائه المعدومة كلها عن كلها فالكل معدوم عن نفسه و لهذا ليس فيه ادراك و حياة، لان الادراك عبارة عن الوجود الحضورى لشيء او لصورته، و ما لا يدرك نفسه لا يدرك غيره.
فهذا العالم عالم الموت و الجهالة، و كل علم و حياة يوجد للاجسام الدنيوية فهى عارضة لها من جهة النفوس المتعلقة بها ضربا من التعلق، و جواهر النفوس من عالم الآخرة و الآخرة عالم الحياة و العلم و إليه اشار بقوله تعالى: وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. (العنكبوت- ٦٤).
و اما الثانى فقد اقمنا البرهان فى كتبنا العقلية على ان الطبائع الجرمية فلكية كانت او عنصرية متجددة الوجود و الحدوث فى كل آن فبقاؤها عين حدوثها و تجددها و وجودها نفس زوالها و المادة و الاعراض تابعة للطبائع، فاذن الدنيا دار زوال بخلاف النشأة الآخرة فانها دار ثبات و قرار.
[١] عزفت اى زهدت، و عزفت نفسه عن الشيء: زهدت فيه و منعته.
[٢] اى هو عبد.