شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٠ - المشهد الرابع فى الموعظة الحسنة و الترغيب فى الآخرة و التزهيد عن الدنيا و لذاتها
عن الدنيا و رغبهم فى الآخرة بالموعظة الخطابية، اذ يكفى الخطابيات فيما يتعلق بلواحق ما علم بالبرهانيات.
فقال سبحانه ترغيبا لهم فى الآخرة: وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ، و هذه مقدمة خطابية استعملت لان يستدل بها على وجوب الرغبة فى الآخرة، و انما قلنا انها خطابية مع انها حقة ثابتة عندنا و عند كثير من اهل الحكمة من كون الدنيا باطلة لا حقيقة لها، لان اكثر الناس لا يمكنهم تعقل ذلك من طريق العلم و اليقين، فلا منافاة بين كون المقدمة برهانية فى نفسها خطابية بالقياس الى طائفة.
و اعلم ان الآيات و الاخبار فى فضيلة الزهد و ذم الدنيا كثيرة، و قد نبه اللّه سبحانه على دثور الدنيا و وهنها و خستها و بطلانها بان مثلها تارة بالسراب فى ارض بقيعة يحسبه الظمآن ماء و تارة ببيت العنكبوت و تارة بالاحلام و المنامات و تارة بالظلمات و قال: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى (طه- ١٣١)، و قال فى وصف الكفار: الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة[١]، فمفهومه ان المؤمن من يتصف بنقيض ذلك و يستحب الآخرة على الدنيا.
و عن ابى عبد اللّه ٧ قال: من زهد فى الدنيا اثبت اللّه الحكمة فى قلبه و انطق بها لسانه و بصره بعيوب الدنيا دائها و دوائها سالما الى دار السلام، و هذا الحديث أيضا يدل بالمفهوم على ان البصير بعيوب الدنيا هم الحكماء. و عنه ٧:
جعل الخير كله فى بيت و جعل مفتاحه الزهد فى الدنيا. و عنه ٧ قال رسول اللّه ٦: الدنيا دار من لا دار له و لها يجمع من لا عقل له. و قيل: من زهد فى الدنيا اربعين يوما اجرى ينابيع الحكمة فى قلبه و انطق بها لسانه.
و لما قال حارثة لرسول اللّه ٦: انا مؤمن حقا فقال: ما حقيقة
[١] الآية: وَ وَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ، الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ( ابراهيم- ٣).