منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٦٦٥ - الفصل السّادس في صفة كرمه
..........
و فيه أنّ الانفاق مأمور به في كلّ حال دعت المصلحة إليه، و لو بنحو استدانة، فإن عجز فبعدة. و العدة: إنفاق لأنها التزام النفقة؛ عند بعض الأئمّة.
و قد استشكل هذا الحديث بأنّ اللّه تعالى قال وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [٢٩/ الإسراء] الآية.
و أجاب القاضي أبو يعلى بأن المراد بهذا الخطاب غيره (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ و غير خلّص المؤمنين الذين كانوا ينفقون جميع ما عندهم عن طيب قلب لتوكّلهم و ثقتهم بما عند اللّه، أمّا من كان ليس كذلك يتحسّر على ما ذهب منه!! فالمحمود منهم التوسّط؛ و هم الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا، لأنّهم لا صبر لهم على الفاقة، و لذا صعب عليه (صلّى اللّه عليه و سلم) كلام عمر لمّا راعى ظاهر الحال، و أمره بصيانة المال؛ شفقة على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لعلمه بكثرة السائلين له و تهافتهم عليه. و الأنصاريّ راعى حاله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلذا سرّه كلامه. فقوله «بهذا أمرت» إشارة إلى أنّه أمر خاصّ به و بمن يمشي على قدمه انتهى. من «شرح الشفاء» للخفاجي، و من شرح الزرقاني على «المواهب».
قال ابن القيّم (رحمه الله تعالى): و مما ينبغي التنبّه له أنّ كلّ خصلة من خصال الفضل قد أحلّ اللّه نبيّه في أعلاها و خصّه بذروة سنامها، ثم تقاسمت الفرق فضائله، فكلّ احتجّ على مطلوبه بشيء منها؛
فإذا احتجّ الغزاة بهديه في الجهاد على أنّهم أفضل؛ احتجّ الفقهاء على مثل ما احتجّ به أولئك.
و إذا احتجّ الزّهاد به على فضلهم؛ احتجّ به ولاة الأمور على طولهم. و إذا احتجّ به الفقير الصابر؛ احتجّ به الغني الشاكر.
و إذا احتجّ به العبّاد على فضل نفلهم؛ احتجّ به العارفون على فضل المعرفة.
و إذا احتجّ به المتواضعون و أهل الحلم؛ احتجّ به أرباب العزّ و القهر للمبطلين و الغلظة عليهم و البطش بهم.