منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٨٠ - الفصل الأوّل في صفة عيشه
لو تبلّغت من الدّنيا بما يقوتك؟ فيقول: «يا عائشة؛ ما لي و للدّنيا؟! ...
غير ذكر للفداء، و تسمّى الباء باء التفدية- بالفاء-.
و هذا جائز بل مستحبّ لصدوره منه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فيقال لمن شرف؛ كالحكام، و العلماء، و الصلحاء، و أعزة الإخوان، قصدا لتوقيره و استعطافه، و لو كان محظورا- كما قيل- لما قاله (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لكان نهى عنه من قاله له، و قد قال له أبو بكر (رضي الله تعالى عنه): فديناك بآبائنا و أمهاتنا. و قال (صلّى اللّه عليه و سلم) لسعد: «إرم فداك أبي و أمّي».
و منعه قوم، لحديث مالك بن فضالة؛ أنّ الزبير (رضي الله تعالى عنه) دخل عليه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو شاك؛ فقال: كيف تجدك جعلني اللّه فداك؟، فقال له (صلّى اللّه عليه و سلم) «ما زلت على أعرابيّتك بعد»؟! قيل: و لا حجّة فيه لما ادّعوه، لأن الحديث الواحد لا يقاوم الأحاديث الصحيحة الكثيرة الواردة بخلافه، و لاحتمال أنّه إنّما نهاه عنه لوروده في غير محلّه، لأنّه لا ينبغي أن يقال ذلك للمريض، بل يتوجّع له، و يقال «لا بأس عليك»، و «عافاك اللّه و شفاك» و نحوه، و لكل مقام مقال، لا لأن القائل له كان أبواه مشركين، و لا لأنه من خصوصياته، لأنّ من قائليه من ليس كذلك، و الأصل عدم الخصوصية.
(لو تبلّغت) التبلغ من البلاغ؛ و هو مقدار الكفاية، يقال: تزود من دنياك بالبلاغ؛ مأخوذ من الزّاد الّذي يبلغ به المسافر منزله، و ضمّنه هنا معنى «اكتفيت» (من الدّنيا بما يقوتك)- بضم القاف- أي: لو اكتفيت منها بالكفاف من القوت، من غير ضرورة و مخمصة، و «لو» للتمني.
(فيقول) صلى اللّه عليه و سلم (: «يا عائشة ما لي و للدّنيا؟!) قيل: «ما» نافية، أي:
ليس لي ألفة و محبة مع الدنيا، حتى أرغب فيها، أو استفهامية أي: أيّ ألفة و محبّة و رغبة لي في الدنيا؟.