منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣١١ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
قرأت في أحد و سبعين كتابا، فوجدت في جميعها: أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) أرجح النّاس عقلا، و أفضلهم رأيا.
(قرأت في أحد و سبعين كتابا) من الكتب القديمة؛ إذ كان خبرها- و في «معارف» ابن قتيبة: قرأت من كتب اللّه اثنين و سبعين كتابا- (فوجدت في جميعها أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) أرجح النّاس)- أي: الخلق- (عقلا) يعني: أنّ عقله أزيد من عقول الناس جميعا.
و قد اختلف في ماهيّة العقل اختلافا طويلا يطول استقصاؤه، و الحقّ أنّه نور روحانيّ به تدرك النّفوس العلوم الضرورية و النظرية.
و ابتداء وجوده؛ عند اجتنان الولد في بطن أمّه، ثم لا زال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ.
و محلّه: القلب عند جمهور أهل الشرع؛ كالأئمة الثلاثة؛ لقوله تعالى لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [١٧٩/ الأعراف]، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [٣٧/ ق] و قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «ألا و إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت؛ صلح الجسد كلّه، و إذا فسدت؛ فسد الجسد كلّه، ألا و هي القلب» و الدّماغ تابع له؛ إذ هو من جملة الجسد.
و قال عليّ: العقل في القلب، و الرحمة في الكبد، و الرأفة في الطحال، و النّفس في الرئة. رواه البخاري في «الأدب المفرد»، و البيهقي بسند جيد.
و ذهب الحنفية و ابن الماجشون و أكثر الفلاسفة: إلى أنّه في الدّماغ؛ لأنه إذا فسد فسد العقل. و أجيب: بأنّ اللّه أجرى العادة بفساده عند فساد الدماغ؛ مع أنّه ليس فيه! و لا امتناع في هذا. انتهى من شرح الزرقاني على «المواهب».
(و أفضلهم رأيا)؛ أي: تدبيرا ناشئا من العقل الكامل الذي ينظر في بدء الأمر و دبره، و أوّله و آخره.
و قد كان (صلّى اللّه عليه و سلم) من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، و لهذا