منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٤٦٤ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
قطّ ما لم ينتهك من محارم اللّه شيء، فإذا انتهك من محارم اللّه شيء .. كان من أشدّهم في ذلك غضبا. و ما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما؛ ...
قال له «إن هذه القسمة ما أريد بها وجه اللّه تعالى»!! لأجل تأليفه في الإسلام، مع عذره؛ لاحتمال أنّها جرت على لسانه من غير أن يقصد بها الطعن في القسمة،
و قد عفا أيضا عمّن رفع صوته عليه، لكونه طبعا و سجيّة له؛ كما هو عادة جفاة العرب. و عمّن جذبه بردائه حتّى أثّر في عنقه الشريف؛ و قال: إنّك لا تعطيني من مالك، و لا من مال أبيك!! فضحك و أمر له بعطاء!! لما كان عليه من مزيد الحلم و الصبر، و الاحتمال، فلو انتقم لنفسه لم يكن عنده صبر، و لا حلم، و لا احتمال، بل يكون عنده بطش و انتقام.
(قطّ) أبدا (ما لم ينتهك)- مبني للمفعول- أي: يرتكب (من محارم اللّه شيء) حرّمه اللّه، و هذا كالاستثناء المنقطع، لأنه في هذه الحالة ينتصر للّه، لا لنفسه، و إنّما ناسب ما قبله!! لأنّ فيه انتقاما ما في الجملة.
(فإذا انتهك) أي: ارتكب (من محارم اللّه شيء) حرّمه اللّه؛ (كان من أشدّهم) أي: أشدّهم «من» زائدة (في ذلك) أي: لأجل ذلك (غضبا)، فينتقم ممّن ارتكب ذلك لصلابته، فإن العفو عن ذلك ضعف و مهانة.
و يؤخذ من ذلك: أنّه يسنّ لكل ذي ولاية التّخلّق بهذا الخلق، فلا ينتقم لنفسه، و لا يهمل حقّ اللّه عزّ و جلّ. (و ما)- رواية الشيخين: و لا- (خيّر) بلفظ المبنيّ للمجهول (بين أمرين) أي: من أمور الدنيا، بدليل قوله: «ما لم يكن مأثما» لأنّ أمور الدين لا إثم فيها.
(إلّا اختار أيسرهما): أسهلهما و أخفّهما، فإذا خيّره اللّه في حقّ أمّته بين وجوب الشيء و ندبه؛ أو حرمته؛ أو إباحته اختار الأيسر لهم، و كذلك إذا خيّره اللّه في حقّ أمّته بين المجاهدة في العبادة و الاقتصاد، فيختار الأسهل لهم؛ و هو الاقتصاد.