منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٨١ - الفصل الأوّل في صفة عيشه
إخواني من أولي العزم من الرّسل صبروا على ما هو أشدّ من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربّهم، فأكرم مآبهم، و أجزل ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفّهت في معيشتي أن يقصّر بي ...
و هذا من إيثاره (صلّى اللّه عليه و سلم) الزّهد، و إظهاره لغنى القلب، و محبّة تركه لها.
ثم بيّن أنّه مقام عظيم سبق به الرسل (عليهم الصلاة و السلام)، فجرى على طريقهم، فقال: (إخواني من أولي العزم من الرّسل)؛ و هم نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، (عليهم الصلاة و السلام)، على خلاف فيهم. و قد نظم هؤلاء الخمسة بعضهم فقال:
محمّد إبراهيم موسى كليمه * * * فعيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم
(صبروا على ما هو أشدّ من هذا)؛ أي: ممّا أنا صابر عليه، لما روي أنّ بعضهم مات من الجوع، و بعضهم من شدّة أذى القمل، و بعضهم من كثرة الجراحات، و شدة الأمراض و العاهات، و قد خصّني اللّه تعالى فيما حثّني و حضّني على الاقتداء بهم، بقوله سبحانه و تعالى فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [٣٥/ الأحقاف]؛ كذا قال القاري في «شرح الشفاء».
(فمضوا) أي: استمرّوا (على حالهم) الّتي كانوا عليها، راضين بقضاء اللّه تعالى لهم، صابرين على بلائه، شاكرين على نعمائه؛ إلى أن ماتوا، و لم يطلبوا من ربّهم السّعة، و لا دفع المضرّة؛ نظرا إلى كمال حسن مالهم.
(فقدموا على ربّهم) لاقوه (فأكرم مآبهم) أي: أكرمهم اللّه تعالى في مرجعهم إليه، يقال: آب يؤوب إذا رجع، فهو اسم مكان أو مصدر ميمي (و أجزل ثوابهم)؛ أي: كثّر لهم العطاء و الجزاء في دار المقام، (فأجدني أستحيي)- بياءين، و في نسخة من «الشفاء» بياء واحدة؛ أي: من اللّه تعالى عند لقائه، (إن ترفّهت) أي: إن تنعّمت (في معيشتي)، و قد كان اللّه تعالى خيّره (صلّى اللّه عليه و سلم) قبيل موته؛ بين الخلد في الدنيا و لقائه؟ فاختار لقاءه (أن يقصّر بي)- بتشديد الصاد