منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣٢٤ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
و قوله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) [فصلت].
اللّه لي، و ردّ إلى مسطح ما كان ينفقه عليه.
و في الآية أدلّة على فضل أبي بكر الصّدّيق، لأنّ الفضل المذكور في الآية ذكره تعالى في معرض المدح، و ذكره بلفظ الجمع في قوله أُولُوا الْفَضْلِ، و قوله أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
و هذا يدلّ على علوّ شأنه و مرتبته؛
منها: أنّه احتمل الأذى من ذوي القربى، و رجّع عليه ما كان ينفقه عليه، و هذا من أشدّ الجهاد؛ لأنّه جهاد النّفس.
و منها: أنّه تعالى قال في حقّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ، و قال في حقّ أبي بكر: وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا فدلّ أنّ أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في جميع الأخلاق؛ قاله الخازن.
و هذه الآية و إن نزلت في أبي بكر؛ فالنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) داخل في عمومها؛ كما في سائر الخطابات، فلا يرد على المصنّف أنّ هذه الآية ليست في حقه (صلّى اللّه عليه و سلم)!
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة فصّلت:
(وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ) السيئة (بِالَّتِي) أي: بالخصلة التي (هِيَ أَحْسَنُ)؛ كالغضب بالصبر، و الجهل بالحلم، و الإساءة بالعفو؛ قاله في «الجلالين».
و قال النسفي: يعني أنّ الحسنة و السيئة متفاوتتان في أنفسهما؛ فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان، فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك؛ كما لو أساء إليك رجل إساءة؛ فالحسنة: أن تعفو عنه، و التي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، و مثل أن يذمّك؛ فتمدحه، أو يقتل ولدك؛ فتفتدي ولده من يد عدوّه. (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)؛ أي: فيصير عدوّك كالصديق القريب في محبّته إذا فعلت ذلك.