منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٧٧ - الفصل الأوّل في صفة عيشه
عن عائشة (رضي الله تعالى عنها) قالت: لم يمتلئ جوف النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) شبعا قطّ، و لم يبثّ شكوى إلى أحد، و كانت الفاقة أحبّ إليه من الغنى، ...
و: (عن عائشة (رضي الله تعالى عنها)؛ قالت: لم يمتلئ)- بهمز- و هو الصحيح (جوف النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) شبعا)- بكسر الشّين المعجمة و فتح الموحدة- (قطّ)؛ أي: أبدا، و لعلّ مرادها غالب أحواله، أو شبعا مفرطا غير مناسب لكماله، فإنّ المطلوب تقليل الطّعام، و الاقتصار على ما يقوم به الأود، ثم ملء ثلث البطن، فإنّ ثلثا للزاد، و ثلثا للماء، و ثلثا للنفس- كما مرّ- فإن زاد! فنصفها، و ما زاد على ذلك حرص و بطنة غير ممدوحة، و قد يحرم، إن وصّله للضرورة، و التّخمة قصدا، كما أنّ أول مراتبه واجب.
(و لم يبثّ)- بفتح الياء التحتية؛ و ضمّ الباء الموحدة و تشديد المثلّثة- أي:
لم يذكر و لم يظهر (شكوى)؛ أي: شكايته، و لا بطريق حكايته، في جميع حالاته (إلى أحد) من أصحابه و زوجاته، لقوله تعالى في ضمن آياته؛ حكاية عن يعقوب، في شدة ما ابتلاه قال إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ [٨٦/ يوسف].
فالشكوى إلى الخلق مذمومة، و الّذي يليق بمقام العارفين الصبر و كتم ما بهم؛ لا سيما و النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يسرّ بكلّ ما يأتيه من اللّه، و لا يعدّه مؤلما؛ بل يتلذّذ به، فكيف يتصور شكواه؟!.
و إلى هذا أشار بقوله: (و كانت الفاقة): و هي الحاجة الملازمة، المقتضية للصبر (أحبّ إليه من الغنى) المقتضي للشّكر.
و هذا صريح في تفضيل الصبر على الشكر؛ كما ذهب إليه أجلّاء الصوفية، و أكثر علماء الفقه و قد ورد: «لو تعلمون ما لكم عند اللّه؛ لأحببتم أن تزدادوا فاقة و حاجة» على ما رواه الترمذي؛ عن فضالة بن عبيد (رضي الله تعالى عنه). كذا قاله القاري (رحمه الله تعالى).