منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٦٧١ - الفصل السّادس في صفة كرمه
و هذه كانت حاله (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل أن يبعث، و قد قال له ورقة بن نوفل: ...
يمّم نبيّا يباري الرّيح أنمله * * * و المزن من كلّ هامي الودق مرتكم
لو عامت الفلك فيما فاض من يده * * * لم تلق أعظم بحر منه إن تعم
يحيط كفّاه بالبحر المحيط فلذ * * * به ودع كلّ طامي الموج ملتطم
لو لم تحط كفّه بالبحر ما شملت * * * كلّ الأنام و روّت قلب كلّ ظمي
فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، و أنشأ أمطار السحائب من غمائم يمينه.
قال القاضي عياض في «الشفاء»: (و هذه)، أي: الخصلة و السجيّة في الكرم و العطاء (كانت حاله (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل أن يبعث) نبيّا؛ أو يرسل. (و قد قال له ورقة)- بواو وراء مهملة مفتوحتين و قاف آخره تاء مربوطة- (بن نوفل) بن أسد بن عبد العزّى.
و كان من أعقل أهل زمانه و أعلمهم، شاعر بليغ متألّه، و كان يقرأ و يكتب الكتب القديمة بالعربية و العبرانية، و يتألّه و يتعبّد؛ و لذا سمّي «القسّ»، و تهوّد في أوّل أمره؛ ثم تنصّر، و هو ابن عمّ خديجة أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها).
و له أشعار كثيرة في التوحيد و لترهّبه لم يكن له عقب، و ورد في الحديث:
«لا تسبّوا ورقة، فإنّي رأيت له جبّة أو جبّتين»- يعني بذلك- ما ورد من طريق آخر أنّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رآه في منامه في الجنّة و عليه حلّة خضراء؛ أو بيضاء، أو نحوه كثياب من حرير و حلّة من سندس.
و كان حيّا في ابتداء الوحي إلى أن تنبّأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و اجتمع بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و آمن به؛ كما في أوّل البخاري، و قال: لئن أدركت زمانك لأنصرنّك نصرا مؤزّرا و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) إذ ذاك نبيّا؛ و لم يؤمر بالدّعوة.
و مات ورقة بعد نبوّته (صلّى اللّه عليه و سلم) و قبل رسالته، و لذا قالوا: إنّه أوّل من آمن بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من الرجال، و هو ثان بالنسبة لخديجة (رضي الله تعالى عنها) و صحابي، و لذا عرّفوا الصحابي بأنّه: من اجتمع بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مؤمنا به. و لم يقولوا «بالرّسول»، و هذا ممّا