منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٥٢ - الفصل الرّابع في صفة حيائه
..........
زيتون (رضي الله عنه) يحبسها في القفص، فإذا انقضى لها سنة أخرجها و سرّحها.
و وجه الأخذ من الحديث أنّ حبسها في القفص أخفّ من اللّعب بها. انتهى.
و أقول: قد استنبط العلماء من هذا الحديث فوائد كثيرة؛ و هو من الأحاديث التي كنت مصمّما على إشباع الكلام عليها، لأن كثرة معاني هذه الجملة الموجزة من أعلام نبوّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و قد قال الشيخ جسّوس و المناوي و القاري و غيرهم في «شرح الشمائل»؛ عند هذا الحديث: إنّ فوائده تزيد على المائة، و قد أفردها ابن القاصّ بجزء.
و قد قال الإمام تاج الدين بن عطاء اللّه- نفعنا اللّه به- في كتاب «التنوير»؛ لمّا تكلّم على حديث «اتّقوا اللّه؛ و أجملوا في الطّلب»: و ذكر أنّ فيه عشرة أوجه ما حاصله أنّه ليس القصد الحصر، بل أوسع من ذلك، لأنه كلام صاحب الأنوار المحيطة، فلا يأخذ الآخذ منه إلّا على حسب نوره، و لا يحصّل من جواهر بحره إلّا على قدر غوصه، و كلّ يفهم على حسب المقام الذي أقيم فيه يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [٤/ الرعد] و ما لم يأخذوا أكثر مما أخذوا، و قد قال (عليه الصلاة و السلام): «أوتيت جوامع الكلم، و اختصر لي الكلام اختصارا»!!.
فلو عبّر العلماء باللّه أبد الآباد عن أسرار الكلمة الواحدة من كلامه؛ لم يحيطوا بها علما، و لم يقدروا لها فهما!! حتّى قال بعضهم: عملت بحديث واحد سبعين عاما؛ و ما فرغت منه، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
و صدق (رضي الله عنه) لو مكث عمر الدنيا أجمع، و أبد الآباد لم يفرغ من حقوق هذا الحديث، و ما أودع فيه من غرائب العلوم و أسرار الفهوم. انتهى.
و ناهيك أنّ اللّه تعالى آتاه علم الأولين و الآخرين و منحه من الحكمة ما لم يمنحه أحدا من العالمين!!، فما من عالم ضربت إليه أكباد الإبل في أشتات العلوم العقلية