منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣١٥ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
هم كالوحش الشّارد، مع الطّبع المتنافر المتباعد، و كيف ساسهم و احتمل جفاهم، و صبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، و اجتمعوا عليه، و قاتلوا دونه أهليهم و آباءهم و أبناءهم، و اختاروه على أنفسهم، و هجروا في رضاه أوطانهم و أحبّاءهم، من غير ممارسة سبقت له، و لا مطالعة كتب يتعلّم منها سير الماضين .. تحقّق له أنّه أعقل العالمين.
و لمّا كان عقله (عليه الصلاة و السلام) أوسع العقول .. لا جرم اتّسعت أخلاق نفسه الكريمة اتّساعا، لا يضيق عن شيء).
هم كالوحش الشّارد) النافر النادّ (مع الطّبع المتنافر المتباعد، و) تأمّل (كيف ساسهم): ملكهم بحسن تصرّفه فيهم و استجلاب قلوبهم، (و احتمل جفاهم):
غلظتهم و فظاظتهم، (و صبر على أذاهم، إلى أن انقادوا إليه، و اجتمعوا عليه، و قاتلوا دونه أهليهم و آباءهم و أبناءهم، و اختاروه على أنفسهم، و هجروا في رضاه أوطانهم)- جمع وطن: مكانهم و مقرّهم- (و أحبّاءهم؛ من غير ممارسة سبقت له، و لا مطالعة كتب؛ يتعلّم منها سير الماضين: تحقّق له أنّه أعقل العالمين)؛ جواب قوله: «و من تأمّل ... الخ».
(و لمّا كان عقله عليه [الصّلاة] و السّلام أوسع العقول؛ لا جرم)- أي: حقّا، و «لا جرم» في الأصل بمعنى: لا بدّ و لا محالة، ثم كثرت فحوّلت إلى معنى القسم، و صارت بمعنى حقّا؛ و لذا تجاب باللام، نحو: لا جرم لأفعلنّ كذا؛ قاله الفرّاء. كما في «المصباح»-.
(اتّسعت أخلاق نفسه الكريمة اتّساعا لا يضيق عن شيء)؛ إذ كان مجبولا على الأخلاق الكريمة في أصل خلقته الزكيّة النقيّة، و لم يحصل له ذلك برياضة؛ بل بجود إلهي، و لهذا لم تزل تشرق أنوار المعارف في قلبه حتى وصل إلى الغاية القصوى، و المقام الأسنى.