منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣٢٢ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
و قوله: وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣].
و قوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ ...
قال الخازن: يعني: إقامة الصلاة، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و الصبر على الأذى؛ من الأمور الواجبة التي أمر اللّه بها.
و هذه الآية من وصية لقمان لابنه؛ إذ قال له: يا بني؛ أقم الصلاة، و أمر بالمعروف، و انه عن المنكر. كما قصّه اللّه تعالى في كتابه الكريم. و كلّ ما قصّه اللّه تعالى من قصص الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام) فهو إرشاد لنبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) و لأمّته، فكأنّه مما أمر به ابتداء؛ فلا تتوهّم أنها ليست في حقّه.
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة الشورى (وَ لَمَنْ صَبَرَ) فلم ينتصر، (وَ غَفَرَ): تجاوز (إِنَّ ذلِكَ) الصبر و الغفران منه (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)؛ أي: معزوماتها؛ بمعنى: المطلوبات شرعا، أي: من الأمور التي ندب إليها، أو مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، و لا يترخّص في تركه.
و في القرطبي: وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ أي: صبر على الأذى، و غفر: ترك الانتصار لوجه اللّه؛ و هذا فيمن ظلمه مسلم.
و يحكى أنّ رجلا سبّ رجلا في مجلس الحسن (رحمه الله تعالى)، فكان المسبوب يكظم، و يعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن:
عقلها و اللّه و فهمها؛ إذ ضيّعها الجاهلون!!
و بالجملة فالعفو مندوب إليه، ثمّ قد ينعكس في بعض الأحوال؛ فيرجع ترك العفو مندوبا إليه، و ذلك إذا احتيج إلى كفّ زيادة البغي و قطع مادّة الأذى.
و عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) ما يدلّ عليه؛ و هو أنّ زينب أسمعت عائشة (رضي الله تعالى عنها) بحضرته، فكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة: «دونك فانتصري». خرّجه مسلم في «صحيحه» بمعناه، انتهى.
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة المائدة (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ)؛