منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣٠ - الفصل الأوّل في صفة عيشه
فما منّا من أولئك السّبعة أحد .. إلّا و هو أمير مصر من الأمصار، و ستجرّبون الأمراء بعدنا.
المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلم)، و ذلك أنّ أهل المدينة كانوا في شظف من العيش، عند ما قدم عليهم المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلم) مع المهاجرين، و كان المهاجرون فرّوا بدينهم، و تركوا أموالهم و ديارهم، فقدموا فقراء على أهل شدّة و حاجة، مع أن الأنصار واسوهم، و أشركوهم فيما بيدهم، غير أن ذلك ما سدّ خلّتهم و لا دفع فاقتهم، مع إيثارهم الضراء على السراء؛ و الفقر على الغنى، و لم يزل ذلك دأبهم حتى فتح عليهم الفتوح كخيبر و غيرها، و مع ذلك لم يزل عيشهم شديدا، و جهدهم جهيدا، حتى لقوا اللّه صابرين على شدّة العيش؛ معرضين عن الدنيا و زهرتها و لذّتها، مقبلين على الآخرة و نعيمها، فحماهم اللّه ما رغبوا عنه، و أوصلهم إلى ما رغبوا فيه، حشرنا اللّه في زمرتهم. آمين.
(فما منّا من أولئك السّبعة أحد؛ إلّا و هو أمير مصر) بالتنوين (من الأمصار)، و هذا جزاء الأبرار في هذه الدار، و هو خير و أبقى في دار القرار.
(و ستجرّبون الأمراء بعدنا!) إخبار بأن من بعدهم من الأمراء، ليسوا مثل الصّحابة في العدالة و الديانة و الإعراض عن الدنيا الدنية و الأغراض النفسية، و كان الأمر كذلك. فهو من الكرامات بالخبر عن الأمور الغيبية، و ذلك لأنهم رأوا منه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما كان سببا لرياضتهم و مجاهدتهم و تقلّلهم في أمر معيشتهم، فمضوا بعده على ذلك و استمروا على ما هنالك، و أما غيرهم ممن بعدهم! فليسوا كذلك، فلا يكونون إلا على قضية طباعهم المجبولة على الأخلاق القبيحة، فلا يستقيمون مع الحق على الصدق، و لا مع الخلق على حسن الخلق.
و هذا الّذي ذكره المصنف بعض من خطبة عتبة بن غزوان العظيمة التي رواها مسلم في أواخر «صحيحه».
و رواها الترمذي في «جامعه» و «شمائله»؛ مقتصرا منها على ما ذكره المصنف هنا.