منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٥٧٢ - الفصل الخامس في صفة تواضعه
إنّما أنا عبد فقولوا: (عبد اللّه و رسوله)».
قال ابن الجوزيّ: و لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه، لأنّا لا نعلم أن أحدا ادّعى في نبينا ما ادّعته النصارى في عيسى!!. و إنّما سبب النهي- فيما يظهر-:
ما وقع في حديث معاذ بن جبل لمّا استأذن في السجود له على قصد التعظيم و إرادة التكريم، فامتنع و نهاه، و كأنّه خشي أن يبالغ غيره بأخوف من ذلك؛ فبادر إلى النهي تأكيدا للأمر، فالمعنى لا تتجاوزوا الحدّ في مدحي بغير الواقع؛ فيجرّكم ذلك إلى الكفر، كما جرّ النصارى إليه لمّا تعدّوا عن الحدّ في مدح عيسى (عليه السلام) بغير الواقع، و اتخذوه إلها. و إلى ذلك أشار في «البردة» بقوله:
دع ما ادّعته النّصارى في نبيّهم * * * و احكم بما شئت مدحا فيه و احتكم
ثم استأنف؛ و قال: (إنّما أنا عبد)، أي: لست إلّا عبدا لا إلها، فلا تعتقدوا فيّ شيئا ينافي العبودية، (فقولوا عبد اللّه و رسوله»). و لا تقولوا ما قالته النصارى، فأثبت لنفسه ما هو ثابت له من العبودية و الرسالة، و أسلم للّه ما هو له؛ لا لسواه.
و قد روى الإمام أحمد عن أنس أنّ رجلا جاءه؛ فقال: يا سيّدنا و ابن سيّدنا، و خيرنا و ابن خيرنا! فقال: «يا أيّها النّاس قولوا بقولكم، و لا يستهوينّكم الشّيطان، أنا محمّد بن عبد اللّه؛ عبد اللّه و رسوله».
و أخرج عن ابن الشخّير أنّه جاءه رجل؛ فقال: أنت سيّد قريش! فقال:
«السّيّد اللّه». فقال: أنت أعظمها فيها طولا، و أعلاها قولا. قال: «يا أيّها النّاس قولوا بقولكم، و لا يستهوينّكم الشّيطان».
و أخرج عن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه): استبّ رجلان؛ رجل من المسلمين، و رجل من اليهود. فقال المسلم: و الّذي اصطفى محمّدا على العالمين. و قال اليهودي: و الذي اصطفى موسى على العالمين! فلطم المسلم اليهوديّ، فأتى اليهوديّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أخبره، فدعاه فسأله؛ فاعترف. فقال: