منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٤٨١ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
فإذا سكت .. تكلّموا، لا يتنازعون عنده الحديث، و من تكلّم عنده .. أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم، يضحك ممّا يضحكون منه، و يتعجّب ممّا يتعجّبون منه، و يصبر للغريب على الجفوة في منطقه و مسألته ...
و بالجملة فشبّه حال جلسائه عند تكلّمه بحال من ينزل على رأسهم الطير في السكوت و السكون؛ مهابة له و إجلالا، لا لكبر و لا لسوء خلق فيه. حاشاه اللّه من ذلك.
(فإذا سكت تكلّموا)، أي: فلا يبتدرونه بالكلام، و لا يتكلّمون مع كلامه، بل لا يتكلمون إلّا بعد سكوته. و في بعض النسخ «فإذا سكت سكتوا» أي:
لاقتدائهم به و تخلّقهم بأخلاقه.
(لا يتنازعون عنده الحديث)؛ أي: لا يختصمون عنده في الحديث.
(و من تكلّم عنده أنصتوا له) أي: استمعوا لكلام المتكلّم عنده (حتّى يفرغ) من كلامه، فلا يتكلّم عنده اثنان معا، و لا يقطع بعضهم على بعض كلامه، لأنّه خلاف الأدب.
(حديثهم عنده حديث أوّلهم)؛ أي: لا يتحدّث أوّلا إلّا من جاء أوّلا، ثم من بعده ... و هكذا على الترتيب.
(يضحك ممّا يضحكون منه، و يتعجّب ممّا يتعجّبون منه)؛ أي: موافقة لهم و تأنيسا و جبرا لقلوبهم.
(و يصبر للغريب على الجفوة)- بفتح الجيم- أي: الغلظة و سوء الأدب (في منطقه و مسألته) كما كان يصدر من جفاة الأعراب.
فالصبر على أذى النّاس و جفوتهم من أعظم أنواع الصبر، فقد ورد: «إنّ المؤمن الّذي يخالط النّاس و يصبر على أذاهم أفضل ممّن يعتزلهم».