منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٣٣٣ - الفصل الأوّل في صفة خلقه
تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤].
تعالى) مقسما ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) (وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)؛ لاجتماع مكارم الأخلاق و محاسن الأفعال فيك.
و قالت عائشة (رضي الله تعالى عنها): ما كان أحد أحسن خلقا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ما دعاه أحد من أصحابه و لا من أهل بيته؛ إلا قال: «لبّيك». فلذلك أنزل اللّه تعالى وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. رواه ابن مردويه، و أبو نعيم بسند واه.
و كلمة «على» للاستعلاء؛ فدلّ اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق، و مستول عليها؛ بمعنى أنّه متمكّن من الجري على مقتضاها؛ ببذل المعروف، و احتمال الأذى، و عدم الانتقام، فأشبه في تمكّنه من ذلك: المستعلي على الشيء المستقرّ عليه؛ فهو استعارة تبعيّة لجريانها في الحرف.
قال الحليمي: إنّما وصف خلقه بالعظم؛ مع أنّ الغالب وصف الخلق بالكرم! لأنّ كرم الخلق يراد به السماحة و الدّماثة؛ و لم يكن خلقه (صلّى اللّه عليه و سلم) مقصورا على ذلك؛ بل كان رحيما بالمؤمنين؛ رفيقا بهم، شديدا على الكفّار؛ غليظا عليهم، مهيبا في صدور الأعداء؛ منصورا بالرّعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصفه بالعظم أولى؛ ليشمل الإنعام و الانتقام.
و قال الجنيد: و إنّما كان خلقه (صلّى اللّه عليه و سلم) عظيما!! لأنّه لم يكن له همّة سوى اللّه تعالى، و قد وصف اللّه تعالى نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بكمال عظيم يرجع إلى قوّته العلمية فقال وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣) [النساء]، و وصفه بكمال عظيم يرجع إلى قوّته العمليّة؛ فقال وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ،
فدلّ مجموع هاتين الآيتين على أنّ روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة؛ كأنّها لقوّتها و شدّة كمالها من جنس أرواح الملائكة؛ إذ أعطاهم اللّه تعالى قوّة في العمل لا تصل إليها البشر، و في العلم ما يصلون به إلى معرفة حقائق الأمور من اللوح المحفوظ، أو الإلهام و العلم الضروري بمعرفة الأمور على ما هي به في